الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
12°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم :{أتأمُرون الناس بالبر وتنسونَ أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} سورة البقرة.
وعن أسامة بن زيدٍ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندَلقُ أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول: بلى كنت ءامر بالمعروف ولا ءاتيه وأنهى عن المنكر وءاتيه” متفقٌ عليه.
لا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ما أفسد الناس من أهم المهمات لا سيما في هذا الزمان الشديد الذي انقلبت فيه أفهام أكثرهم حيث فشى الشر جدًا وأصبح الحليم حيرانًا وراحت الفتن تترى كقطع الليل المظلم وعمَّت المنكرات وزادت البلوى واتسع الخَرْقُ على الراقع وصُدِّق الكاذب وكُذِّب الصادق وائتُمن الخائن وخُوِّن الأمين وصار السفيه التافه يتكلم في أمر الناس ويُرجع إليه في النوازل، وقل من يقبل منك النصيحة إذا أمرت بخيرٍ أو نهيت عن شرٍ وإزاء ذلك حريٌ بالآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يبدأ بنفسه أولًا فيستقيم لتقع نصيحته موقع القبول في نفوس الناس فإن صلاح المجتمع أصلًا يبدأ من صلاح الفرد، ولو اشتغل كل صاحب عيبٍ بإصلاح نفسه لكان في عملٍ يشغله عن تتبع معايب الآخرين ولكان وجد لموعظته وقعًا في قلوب العباد وقد جاء وعيدٌ شديدٌ وتأنيبٌ عظيمٌ لمن يُظهر نفسه بمظهر الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بينما هو يغرق في المنكر ولا يأتمر بالمعروف في نفسه فظاهره صالحٌ وباطنه طالحٌ، وفي الآية أعلاه استفهام توبيخٍ وتقريعٍ وفيها زجرٌ لأولئك الذين يأمرون الناس بالبر أي فعل الخير من صلة الرحم والإحسان وغير ذلك مما فيه طاعةٌ لله تعالى وينسون أنفسهم أي يتركونها من ذلك البر فلا يفعلونه وهم مع ذلك يتلون الكتاب أي يقرؤونه عالمين بما انطوى عليه الكتاب أي فكيف تدعون غيركم إلى امتثال ما في الكتاب وتخالفونه أنتم وأنتم تتلونه. والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل الأصليين وفيهما النهي عن هذا الوصف الذميم، وقوله: أفلا تعقلون تنبيهٌ على أن ما صدر منهم خارجٌ عن أفعال العقلاء حيث مركوزٌ في العقل أن الإنسان إذا لم يُحصِّل مصلحة نفسه كيف يُحصِّل مصلحةً لغيره لا سيما المصلحة التي فيها نجاته في الآخرة فإنه لا يليق بالمرء أن يُخالف قوله فعله وأن يفعل في السر خلاف ما يظهره في العلن.
ابدأ بنفسك
فلقد قيل:

يا أيّها الرّجل المعلّم غيره
هلّا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضّنى
كيما يصحّ به وأنت سقيم
ونراك تُصلح بالرشاد عقولنا
أبدًا وأنت من الرشاد عديم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيّها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبَل ما تقول ويُهتدى
بالقول منك وينفع التّعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد أثنى الله تعالى على نبيه سيدنا شعيبٍ عليه السلام فقال إخبارًا عنه:{ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} سورة هود. أي وما أريد أن آتي بما أنهاكم عنه ولا يليق ذلك وفي”تفسير البيضاوي” روي أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله تعالى:{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص} سورة الصف. فولَّوا (أي بعضهم) يوم أُحدٍ (أي من صفوف معركة أُحد) فنزلت:{كبُر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} سورة الصف. والمقت أشد البغض. فليس الآمر بالمعروف إذًا بمعزلٍ عمَّا يأمر به ويدعو إليه ولا يسوغ للناهي عن المنكر أن يفعل مثل ما ينهى عنه وإذا أمر ونهى غيره وخالف قوله فعله قلَّ تأثيره في الناس وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل قال:”حدثنا جعفر قال سمعت مالكًا (صاحب المذهب المالكي) يقول:”إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر (المطر) عن الصفا (الحجر الأملس) ومن هنا نفهم لماذا لا يتأثر كثيرٌ من الناس بكثيرٍ من المواعظ وليس خافيًا ما عليه كثيرٌ من أدعياء العلم وأشباه المشايخ من الفساد بل صار كثيرٌ من خريجي المعاهد الشرعية يرون في الدراسة سبيلًا لنيل شهادة تمكنهم من الحصول على وظيفةٍ لكسب المعاش وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عملٌ تتطلَّبه تلك الوظيفة أما إن خلا أحدهم بنفسه أو أهله فله سيرةٌ أخرى وحريٌ بهؤلاء النظر في الحديث أعلاه وتأمل ما فيه من العبرة البليغة حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيؤتى برجلٍ يوم القيامة فيُلقى في جهنم فتندلق أي تخرجُ أقتاب أي أمعاء بطنه من جوفه فيدور ذلك الرجل في جهنم كما يدور الحمار في الرحى أي يدور بسبب الألم الذي يصيبه عند خروج أمعائه وهو في جهنم كما يدور الحمار في الرحى والرحى حجرٌ يُستخدم في طحن الحبوب ويعمل يدويًا أو بواسطة الدّواب وقد كان معروفًا في الماضي أما اليوم فقد قلَّ أو انعدم استعمال الناس له فيجتمع إليه أهل النار أي الذين بها متعجبين من دخوله النار وتعذيبه وقد كان في الدنيا يأمرهم بما يُبعدهم عن جهنم فيقولون يا فلان كناية عن اسمه ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ومن شأن الآمر عادةً أن يفعل ما يأمر به كما من شأن الناهي أن يترك ما نهى عنه ومن أتى المعروف وانتهى عن المنكر كان فعله هذا حافظًا له من العذاب فيجيبهم بلى ويُبيِّن ما اقتضى دخوله النار وعقوبته فيها وهو أنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه فشُدد عليه لعصيانه فمن أبصر هذا فليعتبر وعن مثله فلينزجر ومن نهى وأمر فلينته وليأتمر والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...