السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان: الفوضى والواسطة… امتياز يجذب السياح.

مما لا شك فيه أن النفس البشرية لها أهواؤها، وليس سهلًا السيطرة عليها وجعلها أسيرة عاداتٍ وتقاليد وقوانين، وكأن المدينة الفاضلة قد قامت وهؤلاء ناسها.
وحتى لا أكون ممن يشجّعون على الرذيلة، ولو بمعناها الفوضوي المألوف في كثير من المجتمعات، لا بد من القول إن الاعتياد قاتل؛ قاتل لما فيه من رتابة تجعل الملل ثقيل الإيقاع.
أذكر يومًا كانت إحدى قريباتنا تزور ابنتي، وهي من عمرها، وهذه القريبة مقيمة مع أهلها خارج لبنان، وتحديدًا في السويد. أحببت أن أحدثها، فسألتها: أين العيش أفضل؟
وفي معرض الرد، أخبرتني عن روتين الحياة هناك، وأنه لا يوجد شيء اسمه: «ياي، اجت الكهرباء».
خلاصة القول إن فكرة انقطاع الكهرباء، على بشاعتها وتخلّفها، تحمل مفارقة غريبة؛ إذ تمنحنا لحظة شعور بالسعادة عند وصول الكهرباء.
والجدير ذكره أن السويد تُعد من البلدان ذات نسب انتحار مرتفعة، رغم رفاهية العيش فيها، أو ربما بسببه.
قياسًا على بلد كلبنان، يزدحم الرأس بمشاكل أصبحت من غابر الأيام حتى في أكثر البلدان تخلّفًا.
ولا تكاد تصحو على همٍّ قديم، حتى يطلّ كل يوم همٌّ جديد وأزمة “ترند”.
والأهم أن الشعب اللبناني يواكب همومه ويتخصّص بها؛ ففي أزمة الدولار أصبح الشعب كله صرّافين، ويوم انقطع البنزين تاجرنا به وكذلك، والخبز، والماء، والدواء، و…
أما في بلدان العالم المتقدم، أصبح تطبيق النظام بحدّ ذاته مزعجًا، والأكثر إزعاجًا أدوات الرقابة التي تكاد تكون بوليسية واستخباراتية؛ فأنت مراقَب على مدار الوقت، وفي كل حركة.
لا شك أن النظام مطلوب، لكن الاعتياد المطلق على النظام والقانون قد يفقدهما معناهما، تمامًا كما كل نعمة.
وليست الحكمة القائلة: «إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فاغمض عينيك»، إلا دليلًا على ما نقول. فالإحساس الدائم بالأمن والأمان، وتطبيق النظام كـ System صارم، يدفع الناس إلى التململ.
ناهيك عن أن الطبع البشري يرغب بالتفلّت بين الفينة والأخرى.
ومن هنا تصبح المجتمعات الفوضوية، paradoxically، مجتمعات جاذبة، ولا أبالغ إن قلت إنها أصبحت مقصدًا يضاهي بعض المدن والدول السياحية المشهورة بآثارها أو مناخها.
وهذا ما يبرّره حجم الوافدين إلى لبنان في العطل والمناسبات وإجازة الصيف.
هنا في لبنان تستطيع أن تفعل ما تريد، خاصة إن كنت مقتدرًا ماديًا:
تخالف القوانين، وليس قانون السير أولها —
أن تُقيم عراضات سيارات ومواكب ومرافقين، وأنت «مطرح ما مقيم بالخارج»، لا أحد “يُشيلك من ارضك”
سابقًا، كانت الكسليك وجونية والروشة مقصدًا للخليج، لما فيها من أماكن ترويح وترفيه…
أما اليوم، وبعد أن أصبح في دول الخليج وزراء للترويح وامراء للترفيه، فما عادت الكسليك كما كانت.
النظام في لبنان، للأسف، صار بعدد أرقام هواتف أصحاب السطوة التي تملكها ،
وطبعًا… صار في «خدمات لها عرض وطلب عند قوى النفوذ».
من هنا، فإن أي حكومة تدّعي أن عدد زوار لبنان إنجازٌ لها، هو ادعاء فارغ يُعاقَب عليه القانون في بلاد القانون.
لأن هؤلاء الزوار، جلّهم، غادروا لبنان بسبب هؤلاء الحكّام الذين ما زالوا امتدادًا لأسلافهم منذ نشأة لبنان.
وإذا أضفنا الفوضى والوساطة كعنصر جذب لزيارة لبنان، تصبح التهمة مضاعفة؛
لأن الحاكم بنى كل شيء… إلا بلدًا اسمه دولة،
واسم دولة يجب أن يُعاقَب عليها القانون أيضا ، لما فيها من انتحال صفة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...