الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان بين واشنطن وطهران… وعتبة مرحلة جديدة

كارولين ياغي

“إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب علينا أن نعرف ماذا في البرازيل”، مستهلّ المقالات الطريفة التي كان يكتبها الصحافيّ حسني البرظان (نهاد قلعي) في مسلسل «صحّ النوم»، لكنها، رغم عبثيتها الظاهرة، تختصر واقعًا نعيشه اليوم في لبنان، حيث ترخي السياسات الكبرى بظلالها الثقيلة على التفاصيل اليومية.

في اللحظة التي تتقدّم فيها واشنطن وطهران نحو اتفاق نووي جديد أو مُحَدَّث، يقف لبنان على شفير انعطافة قد تغيّر وجه المرحلة المقبلة.
الاتفاق، ولو بدا بعيدًا ظاهريًا عن بيروت، يملك القدرة على إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، ما ينعكس حتمًا على الداخل اللبناني، لا سيما في ظل تداخُل الملفات الإقليمية وتشابكها مع حسابات القوى المحلية.

الحديث عن مساعدات دولية لإعادة الإعمار في لبنان ليس جديدًا. لكن ما هو واضح اليوم أكثر من أي وقت مضى أن أي دعم مالي جدي مرتبط بمجموعة من الشروط السياسية والإصلاحية. المجتمع الدولي ينتظر من الدولة اللبنانية قرارات سيادية واضحة، تتعلق بالحوكمة، بترسيم النفوذ الداخلي، وبإثبات القدرة على الالتزام بالإصلاح، لا بالوعود الفضفاضة. وفي الخلفية، تظلّ إشكالية حصرية السلاح وقرار السلم والحرب جزءًا من الصورة العامة التي تحدد استعداد بعض الدول للمساهمة الفعلية في إعادة الإعمار. أما الشارع اللبناني، فانتقل من حالة الانتظار إلى حالة الشك، حيث تعب الناس من سماع شعارات “الدعم المشروط” من دون أن يلمسوا على الأرض أي تغيير فعلي في أداء الطبقة السياسية.

تحمل المرحلة المقبلة في طياتها عدة عناوين أساسية: أولها إرساء الاستقرار المؤسسي وتثبيت موقع رئاسة الجمهورية ضمن معادلة إنتاج القرار السياسي، لا مجرد ملء للفراغ. يلي ذلك ملف الإصلاح المالي والنقدي، وهو مفتاح الدخول في أي برنامج دعم جدي. أما العنوان الثالث فهو إعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وإعادة ترميم الثقة، سواء بين الدولة ومواطنيها أو بين لبنان والمجتمع الدولي.

هل ستتحرك عجلة الاقتصاد؟ لا أحد يملك الجواب اليقيني. لكن ما هو مؤكد أن الجمود الحالي لا يمكن أن يستمر. فإما أن ينفرج المشهد عبر تسويات خارجية تفرض حداً أدنى من الاستقرار، أو تستمر الدوّامة التي يعيشها البلد، مع كل ما تحمله من استنزاف للقدرة الإنتاجية وهجرة للطاقات.

في النهاية، لبنان ليس جزيرة معزولة. وهو، رغم صِغَره، مرآة تعكس تقاطعات القوى الإقليمية والدولية. لذلك، فإن أي تسوية بين واشنطن وطهران لن تمرّ من دون أن تترك أثراً في الداخل، سواء عبر تهدئة الجبهات أو إعادة خلط الأوراق. وحده الزمن، وربما بعض الحكمة السياسية، كفيل بتحديد الاتجاه.

أما اللبنانيون، فهم كمن يتابع مباراة لا يملكون فيها لا صوتاً ولا قراراً. ينتظرون صفّارة الحكم الدولي ليُعاد تشغيل اللعبة، لعلّها تكون هذه المرّة أقل كلفة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...