لم يغادرِ البابا لاوون الرابعَ عشر لبنانَ بعدُ، حتى بدأتِ المسيراتُ الإسرائيليةُ المعاديةُ تحوم فوق سماء الوطن، في استباحةٍ جديدةٍ لسيادتِه، كأنّ هذا البلدَ المحمَّلَ بجراحه لا يُمنحُ فرصةً لالتقاط أنفاسه. تحليقٌ عدائيٌّ لا يمكن أن يُقرأ إلا كرسالةٍ مُبطّنة، ورسالةٍ فاضحة في آنٍ واحد: أنّ العين الإسرائيلية لا تنام، وأنّ يدَ العدوان لا تتوقّف، مهما حملتِ الزياراتُ الروحيةُ من بشائرَ للسلام.
وَيُطرحُ السؤال الملحّ: ماذا بعد مغادرة البابا؟ وماذا عن ذاك السلام الذي حملهُ قداستُه في صلواته، وفي كلماته، وفي وقوفه أمام آلام اللبنانيين داعيًا إلى أن يعيشوا “بكرامةٍ وأمانٍ وسلامٍ على أرضهم”؟
إنّ هذا السلوك العدائيّ يطرح معادلة قاسية: سلامٌ يُصلّي من أجله البابا، وعدوانٌ يصرّ العدوّ على فرضه من فوق رؤوس الناس.
سلامٌ يزرعه رجالُ الدين، وخرقٌ للسيادة تزرعه طائراتٌ لا تعرف إلا منطق القوة.
لكن، على الرغم من علوّ المسيرات وغطرسة التحليق، يبقى السؤال الحقيقي: هل يمكن لطائرةٍ معاديةٍ أن تُطفئ نورَ صلاةٍ خرجت من قلب رجلٍ جاء يحمل رسالة محبة وسلام؟
وهل يمكن للعدوان أن يمحو أثر الزيارة التي أيقظت في نفوس اللبنانيين حقَّهم في وطنٍ آمنٍ، وكرامةٍ مصانة، ودولةٍ تحمي أبناءها؟
إنّ ما بعد الزيارة ليس اختبارًا للبابا، بل اختبارٌ للبنان: اختبارٌ لقدرته على الدفاع عن سيادته، على حماية سمائه، وعلى التمسّك برسالة السلام نفسها التي جاء قداسة البابا ليؤكدها.
سلامٌ لا يُنتزع بالوعود، بل يُصان بالموقف… وبالدولة… وبوحدة الشعب… وبالحقّ الذي لا يسقط.


