الجمعة، 7 أغسطس 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مفارقة سلاح حزب الله والجيش اللّبناني

منذ اتّفاق الطّائف وحتّى يومنا هذا، يعيش لبنان في معادلةٍ معقّدةٍ تتعلّق بالجيش وسلاح المقاومة، معادلةٌ تقوم على تناقضٍ صارخٍ بين ما يُطرح في الدّاخل وما يُفرض من الخارج. فالمجتمع الدّولي، وفي طليعته الولايات المتّحدة وفرنسا، يرفعون شعار “تسليم سلاح حزب الله للجيش اللّبناني”، بينما هو نفسه يمنع الجيش من امتلاك القدرات العسكريّة الّتي من شأنها أن تجعل منه قوّةً حقيقيةً تحمي البلاد.
ألجيش اللّبناني، رغم بطولاته وتضحياته، مُقيّدٌ بقراراتٍ غير مكتوبةٍ، لكنّها أشدّ وقعاً من القوانين. لم يُسمح له يوماً بامتلاك صواريخ بعيدة المدى أو متوسّطة المدى ولا حتّى منظومات دفاعٍ جوّيٍّ قادرة على مواجهة الطّائرات الإسرائيلية، أو طائراتٍ مقاتلةٍ هجوميّةٍ حديثةٍ وممنوع عليه امتلاك أسلحةٍ استراتيجيةٍ تُمكّنه من خوض أيّ مواجهةٍ متكافئةٍ.
ألجيش اللّبنانيّ لا يُسمح له بأن يكون جيشاً هجوميّاً أو استراتيجيّاً، بل يقتصر دوره على الأمن الدّاخليّ وضبط الحدود بقدراتٍ محدودةٍ.
والدّليل واضحٌ، كلّ صفقات الأسلحة الكبيرة، ما يصل إلى الجيش لا يتعدّى أسلحةً خفيفةً، آليات، طوّافات تدريبيّة، أجهزة اتّصالٍ، دعم لوجستيّ، أو ذخيرة محدودة… من المساعدات اللّوجستية، وأحياناً ذخيرة محدودة. والسّبب واضحٌ، أيّ جيشٌ لبنانيٌّ قويٌّ يُعدّ تهديداً مباشراً لإسرائيل، وهذا خطٌّ أحمر لا يُسمح بتجاوزه.
في المقابل، استطاع حزب الله أن يبني ترسانةً عسكريةً متطوّرةً، تضمّ صواريخ دقيقة وبعيدة المدى، وطائراتٍ مسيّرة هجومية واستطلاعية، إضافةً إلى خبراتٍ قتاليةٍ اكتسبها من ساحاتٍ عدّة. هذه التّرسانة جعلت من الحزب قوّةً إقليميّةً لا يمكن تجاهلها، وأصبح السّلاح الّذي حُرم الجيش من امتلاكه هو عين السّلاح الّذي تملكه المقاومة.
هنا يقع التّناقض الكبير يُطلب من حزب الله أن يُسلّم سلاحه إلى الدّولة، وفي الوقت نفسه، يُمنع الجيش اللبناني، ممثّل الدّولة، من امتلاك هذا السّلاح أو الاحتفاظ به.
إذا تسلّم الجيش ترسانة حزب الله، فسيصبح عملياً جيشاً مقاوماً يملك ما تعتبره إسرائيل تهديداً وجودياً. وهذا أمرٌ لا يمكن أن يقبله الغرب. أمّا إذا سلّم الجيش هذه التّرسانة للخارج أو تخلّى عنها، فذلك يعني ببساطةٍ تجريد لبنان من آخر عناصر قوّته بوجه الاحتلال.
من هنا نفهم أنّ المطالبة بـ”دمج سلاح المقاومة في المؤسّسة العسكريّة” ليست سوى شعاراً سياسياً للاستهلاك المحلّيّ والدّولي، يُرفع لإرضاء بعض القوى الخارجية و الدّاخلية، لكنّه عمليّاً غير قابلٍ للتّنفيذ. فالمجتمع الدّوليّ لا يريد جيشاً قوياً، ولا مقاومةً مستقلّةً، بل يريد دولةً ضعيفةً، وجيشاً محدود القدرات، ومجتمعاً منقسماً، لتبقى إسرائيل في موقع التّفوّق المطلق.
إنّ أيّ نقاشٍ جدّيٍّ حول مستقبل سلاح المقاومة والجيش اللّبناني يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة، لا يمكن المطالبة بتسليم السّلاح إلى مؤسّسةٍ ممنوعة أساساً من امتلاكه.
وإلا سنبقى ندور في حلقةٍ مفرغة، عنوانها العجز والضّعف، إنّ أي نقاش جدي حول مستقبل سلاح المقاومة والجيش اللبناني يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة، فلا يمكن المطالبة بتسليم السلاح إلى مؤسسة ممنوعة أساساً من امتلاكه. وإلا سنبقى ندور في حلقة مفرغة، عنوانها العجز والضعف، فيما تبقى إسرائيل وحدها المستفيدة من هذا الوضع القائم..
اصحوا من الفخ، فالمعادلة ليست بين “سلاح وطني” و”سلاح غير وطني”، بل بين وطنٍ قادر على البقاء، ووطنٍ يُجرّد من عناصر قوته ليُمحى من الخريطة…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

إلى متى التسول ؟

الى متى سيبقى ابناء بيروت وأهلها يتوسلون القريب والبعيد ،الحاضر والغائب حتى يعاد بناء مسجد الحسنين رضي الله عنهما بعد ان هدمته الحرب المشؤومة والتي أصابت بيروت وأهلها في ارزاقهم...

أيُّ دولةٍ تُريدون يا دولة الرئيس؟

مئاتُ الآلافِ من القتلى… وأضعافُ أضعافِهم من الجرحى والمصابين… وجيشٌ من اليتامى، و آخر من الثكالى… مدنٌ سُحِقَتْ أحجارُها، وشوارعُ كان يمرح فيها الصغار، فإذا بها...

بطاقتا الشرع حسمتا الأمر !!

دعوني أوضح لكم أمراً… هناك من لم يستوعب المشهد في الأيام الأولى من التحرير ، فظنّ أن هذه الحكومة جاءت من إدلب معزولة من قاعدة شعبية، وبنوا على هذا الوهم خططهم ومشاريعهم . فتناغم...

غزة فى "كلمة ورد غطاها"!!

اولا : اكبر خطأ ارتكبته حركة حماس قبولها بخطة ترامب! الان سوف يبدأ نتنياهو عملية ابادة جديدة يقتل فيها 68 الفا أخرى!! ثانيا: طالما هناك زنزانة تنتظر نتنياهو تعدها له المحكمة...

انقراض البشرية

صرخة مدوية فى وجه الذكاء الصناعى الخارق: أوقفوا تطويره الآن وتحدثوا علنا عن مخاطره، فالبشرية لم يعد أمامها سوى سنوات قليلة قبل الانقراض النهائى. ربما يكون كتاب «إذا بناه أحد...

فقط في لبنان: لكم مياهكم ولنا مياهنا

فقط في لبنان يمكن أن تسمع أخبارًا يستحيل أن تراها أو تسمعها في أي مكان آخر. صخرة ومسرح وعلي برو وأخيرًا :زجاجة مياه. زجاجة مياه قادرة على إحداث انقسام في بلدٍ غنى له وديع الصافي...