تأجيل الانتخابات النيابية؟! فكرة دنيئة بدأ يبثها بعض “نواب الصدفة” الذين يخشون طلب ثقة الناخبين، مرة جديدة، بعدما ظهروا على حقيقتهم في إمتحان الواجب الوطني والنيابي. ويتذرع مطلقو الفكرة بـ “إحتمال” أن لا يسمح الوضع الأمني بإجراء الانتخابات في موعدها القانوني، خلال شهر أيار من العام ٢٠٢٦ المقبل.
والمؤسف، المخجل، ان بدعة التأجيل هذه صارت شبه قاعدة ثابتة لكثرة المرات التي صوّت النواب فيها على تأجيل الانتخابات ،وتمديد فترات بقائهم نواباً مشرّعين في المجلس النيابي. والذريعة هي هي: الوضع الأمني!!
وإذا قيل لهؤلاء “النوائب” ان لبنان محكوم بنظام برلماني ديموقراطي، وان تأجيل الانتخابات النيابية يلغي أساس هذا النظام البرلماني الديموقراطي يطلعون عليك بأن “الضرورات تبيح المحظورات”. هنا سؤال: هل هناك ضرورة أهم، وأكبر من الحرب لأي دولة من الدول؟ وهل ألغت الدولة المنخرطة في حرب مع عدو لها إنتخاباتها النيابية؟
الحق هو سيد كل سيادة في الحياة. والانتخابات النيابية في النظام البرلماني الديموقراطي هي حق مقدّس لمواطني هذا النظام، محرّمٌ المساس به أو التلاعب في مواعيده. فالشعب الذي انتخب نوابه أعطاهم وكالة محدّدة الزمن ليمثلوه ويديروا شؤونه حسب قوانين النظام، ولم يُعطهم وكالة شاملة تجيز لهم نسف أسس النظام.
في زمن الحرب العالمية الثانية ،اجرت الدول المنخرطة فيها الانتخابات النيابية. وفي السنوات القريبة الماضية ضرب إيران زلزال دمّر مئات البلدات والقرى وأوقع ألوف القتلى والجرحى والمشردين وجرت الانتخابات النيابية في موعدها. وقبلها حلّت كارثة إنسانية مخيفة باسبانيا قبل ٢٤ ساعة من الموعد المحدد لإجراء الانتخابات النيابية وتم اجراؤها.
أما إذا كان هناك معوقات لوجستية أو إدارية قد تعرقل إجراء الانتخابات في موعدها فالمسؤولية ليست مسؤولية الناخب الذي يُعتدى على حقه بالانتخابات، بل هي مسؤولية السلطة الرسمية التي لم تتحسب لهذه الأمور، ولم تُقدم على إيجاد الحلول المناسبة لها.
ونتساءل: لماذا نتخبط في هذه الفوضى بلبنان مع ان وطننا حضاري الجذور والممارسة منذ ألوف السنين .. ومورس النظام البرلماني في مدينة صور قبل التقويم الميلادي بألوف السنين، وصدّرته إلى العالم عبر إبنتها قرطاج، وهي بدورها نقلته إلى أوروبا حيث نما وازدهر وغزا أبناؤه وساعة الفضاء اللامتناهية والمسيرة مستمرة.
قد يرى بعض الناس ان مسألة تأجيل موعد الانتخابات النيابية – إذا حصل – لا يحرز كل هذه الديباجة ،فذلك رأيه. أما رأيي فهو أن ما اجترحه النبوغ اللبناني وكرّسته شرعة للحكم والحكام، على مستوى الدنيا كلها، هو أمانة في عنق كل لبناني ،عليه أن يصونها ويذود عنها ويمنع المتطفلين على لبنانيته من المساس بها.


