الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

هل العقل هو مجرد نشاط المخ أم الفطرة العاقلة أيضاً ؟

!ذا قلنا أن العقل هو مجرد نشاط المخ لكان معنى هذا أن العقل لن يكون له وجود إلا حيثما يوجد مخ ولن يملكه إلا من يملك مخاً … وهي نتيجة لا تبدو صحيحة ، فالحيوان الوحيد الخلية لا يمتلك أي أثر لمخ أو جهاز عصبي ومع ذلك يتصرف بفطرة عاقلة ، فيميز بين ما ينفعه مما يضره ويدرك مكامن الخطر ويبتعد عنها ، ويدرك مواطن المنفعة ليتجه إليها .

وهو قد يجتمع في أعداد هائلة ويعيش في شبه مجتمعات .. وفي داخل هذه المجتمعات البدائية يحدث ما يسمى تقسيم الوظائف .. وإذا حدثت كارثة وبدأ المستنقع يجف أو اشتدت البرودة فجأة فإنه يحيط نفسه بغلاف واق ( يتبوغ) وينام في حالة غيبوبة قد تمتد لسنوات حتى تواتيه الفرصة فيخرج من غلافه ويستأنف الحياة ، فمثل هذا السلوك هو سلوك عاقل فيه نظام وفيه ارتباط بين الأسباب ومسبباتها ، ولا بد أن في هذه المادة الحية البدائية التي بلا مخ فطرة عاقلة تهديها .

وإذا عبرنا خط الحياة وذهبنا الى الفيروس ، ذلك الكائن الذي ما يكاد يقع على خلية حية حتى ينشب مخالبه في جدارها ويحقنها بمادته السحرية ( دي ان ايه ) التي تشلها تماما وتحولها الى خادم تحت إمرته تصنع له من مادتها نسلاً بالملايين ، هذا الغازي المتنكر الذي يستولي على إرادة ضحيته ويستعبدها بل يفنيها لأغراضه … ماذا نسمي فعلته ، غير أنها خطة ماكرة فيها حبكة .. كأنها العقل بعينه .. وإذا عبرنا الخط أكثر وذهبنا الى المادة الجامدة الموات ، المادة الكيميائية العادية مثل كبريتات النحاس أو ملح الطعام أو السكر أو نترات البوتاسيوم .

مثل هذه المواد لو أذبناها في الماء في محاليل مركزة وترقبنا ما يحدث بعد أن يتبخر جزء من الماء لرأينا عجباً ، فإنها لتتساقط الى القاع .. ولكن في أشكال هندسية مكعبة ومربعة وسداسية وإسطوانية ومغزلية .. ثم هي تنمو وتكبر محافظة على شكلها الهندسي وإذا حاولنا أن نكسرها فنحن نحتاج الى طاقة .. وإذا ضغطنا عليها أطلقت تياراً من الكهرباء ، فهذا الكيان الذي يتخذ لنفسه طابعاً خاصاً وذاتية منفردة ألا يعطيك إحساساً بأنه هنا أيضاً .. العقل يعمل في داخل المادة الموات .

وإذا عبرنا الخط أكثر وذهبنا الى سحب الغبار والغاز البدائي الذي تكونت منه النجوم والمجرات والشموس في رحلة نراقب فيها ميلاد الأكوان النجمية وعلى المادة في حالتها البدائية الأولى فإننا نرى ما هو أعجب ، فإن ما بدأ على شكل سحابة مهوشة من الغبار ما يلبث بقوة كامنة فيه أن ينتظم في دوامات .. ثم في دوامة كبيرة تبتلع هذه الدوامات ثم تتكشف الدوامة فتتحول نواتها الى شموس وأطرافها الى أنجم صغيرة وكواكب تدور في جمال وبهاء حول المركز … مرة أخرى ينبثق النظام المحكم من الفوضى .

مرة أخرى نشعر وكأنما العقل مبثوث في كل شيء سواء في الحي أم في الميت ، أو دعنا نقول أنه لم يعد هناك حي ولا ميت … وإنما الكل أصبح عاقلاً حياً من الفلك العظيم الى الذرة المتناهية في الصغر ( حيث الإلكترونات تنتظم حول النواة وتدور في نظام بديع ) …وإن ما يحدث بين نجمين من جاذبية هل شبيهاً لما يحدث بين فردين من بني الإنسان والذي نسميه عاطفة .. والانفجار الذي يحدث في الديناميت حينما يحدث في قلوبنا نسميه الغضب والقوة الدافعة في البخار هل هي الإرادة في الإنسان .

إن الفكر الحديث يميل الى إسقاط الحواجز بين الحياة والموت وبين العقل واللاعقل .. فلم يعد هناك موت ولم يعد هناك لا عقل وإنما الحياة منبثة في كل شيء وإن بنسب مختلفة وهناك وحدة نسيج بين كل الموجودات … إن التراب الذي أمكن أن ينتظم على شكل شموس وكواكب ونجوم أمكن أيضاً أن ينتظم على شكل مادة حية وخلايا ونبات وحيوان ومخ وأجهزة عصبية من جميع الرتب والأنواع .. إن ذلك يهدينا الى العقل الشمولي للكون ..العقل الكلي الباطن فيه وبإلهامه .. ولأنه عقل كلي فهو ليس عقلنا الخاص وإنما العقل المفرد المتعال علينا وعلى كل شيء الملهم لكل مخلوقاته أو نقول الذات الواحدة العليا المبدعة .

لقد رأينا أن العالم الميت ينبض أمامنا بنبضه الخاص وإذا بنا نكتشف فيه النظام والحركة والطاقة والفعل والانفعال والتطور .. وإذا بنا أمام عالم حي عاقل على طريقته .. وهذه النظرة الى الوجود تدخل بنا الى المنطقة الحرام التي طالما احتكرها المتصوفة لأنفسهم .. وإنه لعلم يشبه التصوف .. وإنه لعلم هو الدين في حقيقته وإنه ليتخذ نبرة الصوفيين الغامضة ويستعير شحناتهم العاطفية وتحليقهم وشطحاتهم وإلى هنا وعلى حافة هذا الضباب يحلو الصمت فقد قال العقل كل ما عنده ..

وهنا يبدأ دور الدين … حينما يقول العلم ما عنده ويصمت .. يأتي دور النبي ليتكلم بالوحي الذي جاءه من الغيب ليأخذ بيدنا من العلم الى منتهى العلم … الى الله جل جلاله وتقدست أسماؤه

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...