ذكرت “النهار” في معرض شرحها الواقع السياسي الراهن في لبنان، “ان حركة اتصالات تجري بين بعبدا والسرايا الحكومية وعين التينة، تتركز على إمكان عقد لقاء يجمع الرؤساء جوزف عون ونبيه بري ونواف سلام، يخصص للبحث في ملف التفاوض..” والمقصود، هنا، التفاوض مع إسرائيل.
صادم ما ذُكر وغريب؟! هل اللقاء بين رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة يحتاج إلى “حركة اتصالات” ثلاثية الابعاد ليلتقي المسؤولون الأوائل الثلاثة في الدولة، للبحث في أخطر ملف عرفه لبنان في تاريخه الحديث وهو ملف التفاوض على سلام دائم مع إسرائيل!!
إذا كان ملف يتناول مصير لبنان وكيانه ومستقبله السياسي والاقتصادي ودوره في محيطه الجغرافي لا يحفز المسؤولين الكبار على التداعي إلى الاجتماع وتجاوز كل ما بينهم من حساسيات وتباين في المواقف. فأي قضية أخرى يمكن أن “تؤمن نصاب” هكذا اجتماع؟؟
للتذكير فقط: عندما اجتيحت القدس في زمن مضى كان المطارنة المسيحيون مشغولين بتحديد جنس الملائكة: هل هم ذكور أم إناث!! “ومطرحك يا واقف”!!
هل شاهد المسؤولون صورة الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن الذي يستضيف بشار الأسد الهارب من سورية خوفاً من مقصلة الشرع؟ وهل قرأوا واستوعبوا ما أدلى به الشرع بشأن هذه الزيارة الشجاعة؟ لقد قرأ جيداً حيثيات الوضع الجديد عالمياً واقليمياً ولعب الورقة المناسبة في الوقت المناسب لسوريا ومصالحها.
المتداول إعلامياً ان زئبقية موقف رئيس مجلس النواب وحساباته الطائفية والانتخابية هي العامل الأهم في ثغرة التباين في القرار اللبناني. فرئيس المجلس يريد ولا يريد في آن. يريد لأنه مقتنع بحتمية النهاية، حتى بكلفة باهظة، ولا يريد حتى لا يكون مساهماً في التكلفة.
هل يجوز للبنان الضعيف، الفقير، الصغير، العائش على الهبات والمساعدات، أن لا يقلق ويرتعش وهو يرى معظم قادة العالم يطوبون رئيس أميركا، دونالد ترامب، قيصر السلام ومجترح العجائب ومنهي – حسب قوله – ثماني حروب في ثمانية أشهر … ولكن لبنان كان خارج الصورة لولا الايماءة ذات المعنى لرئيس الجمهورية جوزف عون! والمعنى هو: أقدم كي نكون مع لبنان.
قد نلوم أحياناً الممسكين بزمام الحكم، ولكن من الإنصاف ان نعترف بان الواقع اللبناني يشبه أرضاً يبابا قاحلة ملأى بكل أنواع وأجناس الضواري واللواسع واللوادغ والعواقص، ومن يتمكن من اجتيازها سالماً كمن كُتب له عمر جديد.
وما هو الحل؟
لا حل. هذا هو لبنان منذ الأزل وسيبقى كما هو إلى الأبد. رحم الله الانسان المثال بالأخلاق والآدمية محمود عثمان الذي كان يقول لي دائماً: “هيدا البلد ما رح يركب”!!


