السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

يتبع ...الجزء الثاني – زيارة من قزوين في أيران الى كربلاء في العراق

عندما دخلت خديجة بيتنا ، لو أفرغت على رأسها كيساً مملوءاً بالدخن لعلقت كل الحبوب في أخاديد وثقوب وجهها ، ولما سقطت حبة واحدة … حسناً أنا كنت سيدة البيت وكانت خديجة تعمل وتطهو … ولم يكد يمر شهر واحد حتى استردت تضاريسها وسمنت وقويت بعد ضعف وهزال ، وعندئذ حبلت ، حسناً أصبح معلوماً أن خديجة أفلحت ، وأصبح زوجي ملتفتاً إليها بكل جوارحه ، إن اشتهت برقوقاً في أكثر أيام الشتاء برداً كان زوجي ” كدا علي ” يحضره لها من تحت الصخر ، وأنا قد أصبحت تعيسة الحظ ! .

وكل ليلة عندما يأتي كدا علي الى البيت كان يُحضر لحجرة خديجة كل ما تتوحم عليه ، وأنا كنت أعيش معه من باب الصدقة – خديجة بنت حسن اللبان التي عندما دخلت بيتنا كانت تبدو كالصعاليك وغير مهندمة باتت الآن تتكبر علي ، عندئذ ندمت وعلمت أني أخطأت ، وصبرت تسعة أشهر كنت فيها أتظاهر بالعافية أمام الجيران ، لكنني كنت أضطهد خديجة بشدة في الأيام التي لم يكن زوجي فيها موجوداً ، وأغتابها وأفتري عليها لدى زوجي ، حيث كنت أقول :

” عند الشيخوخة أصبحتَ مغرماً بذات عيون الضفدع  ! إنك لا تنجب أصلاً ، إنه من نطفة عشيق .. خديجة تحاول أن تحبل من الحاج تقي صانع الملاعق ” ، وكانت خديجة أيضاً تفسد علي الأمر وتغتابني لدى كدا علي … لا أوجع رأسكم ، كان تحدُث في بيتنا جلبة كل يوم ، وحدث ولا حرج .. وجميع جيراننا تعذبوا من صراخنا ، وكنت قلقة جداً وخائفة أن يكون المولود صبياً .

ذهبت وفتحت الطالع ولجأت الى السحر والشعوذة ، لكن السحر لم يجد معها ، وكأن خديجة كانت قد أكلت لحم الخنازير فكانت تسمن كل يوم حتى وضعت خديجة هانم في تمام الشهر التاسع وتسعة أيام وتسع ساعات وتسع دقائق .. وماذا أنجبت ؟ .. صبياً .

وأصبحت أنا تافهة في بيت زوجي ! لم أعلم هل كان لدى خديجة خرز الثعبان ، أم قد أعطت شيئاً ” لكدا علي ” ليأكله ؟ وأصبحت تلك المرأة التي احضرتها بنفسي من حي الشحاذين ، أصبحت تعرف نقاط ضعفي جيداً ، إذ قالت لي أمام زوجي : ” يا عزيزة آغا بدون إزعاج فإن يدي لا تصل اغسلي حفاضات الطفل ” ، حين قالت هذا استشطت غضباً ، وقلت أمام كدا علي كل ما خرج من فمي ، وطلبت منه أن يطلقني ، لكن المرحوم كام يقبل يدي ويقول : ” لماذا تفعلين هكذا ؟ أخاف أن ترضع الطفل لبن الإعراض دعي الطفل يقدر أن يشب وعندئذ سأطلق خديجة ” .

لكني لم أعد آكل وأنام من شدة الأوهام ، أغفر لي يا رب .. حتى من أجل أن أحرق قلب خديجة ، ذات يوم بمجرد أن خرجت خديجة الى الحمام وخلا البيت ، ذهبت الى مهد الطفل وسحبت الدبوس من حجابي أسفل حلقي وأدرت وجهي ، وغرست الدبوس حتى نهايته في يافوخ الطفل ، لم يسكت الطفل طوال ليلتين ويومين ، وكلما صرخ كان قلبي يتمزق ، وما من فائدة مهما دعونا له وعالجناه ، إذ كان عبثاً ، لأنه مات في عصر اليوم الثاني .

حسناً كان واضحاً أن خديجة وزوجي بكيا على الطفل وحزنا ، لكن أنا كنت كشخص قد شفا غليله ووصل الى غايته ، وقلت الى نفسي على الأقل ستبقى حسرة الطفل في قلوبهما ! ولم يكد يمر شهران على هذا ، حتى حبلت خديجة مرة ثانية ، هذه المرة لم أكن أعلم ماذا افعل ، وأقسم بالله أني رقدت شهرين فاقدة الوعي ومريضة من شدة الحزن ، وفي تمام الشهر التاسع وضعت خديجة طفلاً آخر ، وصارت العزيزة المحبوبة مرة أخرى ، كان كدا علي يضحي لله من أجل الطفل .. وإذا كان الله قد أعطى قوم موسى ، أي الشعب المختار منجلاً تافهاً يلهون به ، فإنه وهب كدا علي ابناً وسيماً ومكث يومين في البيت ووضع الطفل قبالته كتمثال وبات يتفرج عليه .

مرة أخرى نفس الطاس ونفس الحمام ! يا سادتي هذا ليس ذنبي ، إذ لم أكن أستطيع أن أرى ضرتي وطفلها ، وذات يوم حين كانت خديجة منشغلة جداً قمت بالكمين ، ومرة أخرى سحبت الدبوس من أسفل حلقي وغرسته في يافوخ الطفل ، ومات الطفل بعد يوم واحد ، كان واضحاً ، ومرة أخرى انطلقت الصيحات والصرخات ، هذه المرة لا تعلمون كيف كان حالي ، من ناحية كنت كأنهم قد وهبوني كل ثروات العالم ، لأني قد تركت وسم الطفل في قلب خديجة ، ومن ناحية كنت أفكر أني الآن قد ارتكبت جريمتين ..

كنت أندب وأبكي ، بكيت لدرجة أن خديجة وكدا علي رأفا بحالي ، وقد تعجبا أني كم أحببت الطفل ابن ضرتي – لكن البكاء لم يكن بسبب الطفل ، بل كان على نفسي من أجل يوم القيامة وضمة القبر ، وفي تلك اليلة قال لي زوجي : ” إذن لم يكن مقسوماً لي أن أنجب ، فكما ترين أن أطفالي لا يشبون ويموتون ” .. ولم يكد الشتاء يمضي حتى حبلت خديجة مرة أخرى ..

التتمة في الأسبوع القادم ……

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...