السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

على حافة النار: حرب ترسم خرائط المنطقة… ولبنان يهمس: لسنا ساحةً لأحد

كارولين ياغي

في يومها الثالث، تبدو المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران أكثر من مجرد تصادم عسكري عابر. هي لحظة فاصلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ، وتحدد ليس فقط مستقبل النظام الإيراني، بل أيضاً موقع “إسرائيل “في المنطقة، ومصير حلفاء طهران الممتدة من لبنان إلى العراق واليمن.
حين تتساقط الضربات بهذا الحجم، ويُستهدف كبار القادة الإيرانيين، وفي مقدمهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ،يصبح واضحاً أننا لا نتحدث عن جولة عادية من “الرد والرد المضاد”. نحن أمام حرب ذات طابع وجودي، ترتبط بمستقبل النظام نفسه، وبسؤال محوري: هل سيُعاد إنتاجه بشكل أكثر تشدداً، أم ستتصدع بنيته من الداخل؟
من جانبها، تعتبر “إسرائيل” هذه المعركة حاسمة لأمنها الاستراتيجي طويل الأمد. فهي ترى في التمدد الإيراني عبر “حزب الله” في لبنان، والميليشيات في العراق، والحوثيين في اليمن، تهديداً مباشراً يحيط بها. لذلك، لم يعد ضرب العمق الإيراني مجرد خيار محتمل، بل أصبح عنوان المرحلة.
لكن السؤال المهم بالنسبة للبنان ليس فقط من سيربح ومن سيخسر، بل: هل سيُترك له الحق بالبقاء خارج هذا الصراع؟
في بلد بالكاد يلتقط أنفاسه بعد سنوات من الانهيار المالي والمؤسساتي، أي انخراط في حرب إقليمية يعني الانتحار الجماعي. لبنان غير مستعد اقتصادياً، اجتماعياً أو نفسياً لأي مواجهة جديدة. وتتضاعف المخاوف مع ارتباط الساحة اللبنانية بعضو بارز من حلفاء إيران العسكرية.

التداعيات بدأت تظهر سريعاً. تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل مؤشر على أن المجتمع الدولي يعيد ترتيب أولوياته في ضوء تصاعد الصراع. في هذه اللحظات، تصبح قضايا الدول الهشة مؤجلة، أو رهينة لتوازنات أكبر منها.
وإذ دخلت بعض دول الخليج أيضاً دائرة الاستهداف، فإن رقعة الصراع تتسع، ولو لفترة وجيزة . صحيح أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب قد لا تطول بسبب تكلفتها العالية للجميع، ولأن القوى الكبرى لا ترغب بانفجار شامل في منطقة النفط والغاز الأساسية في العالم. لكن قِصر المدة لا يقلل من أثرها؛ أحياناً يكفي أسبوع واحد لتغيير خارطة المنطقة لعقود.
يبقى السؤال الإنساني والسياسي: هل تحمل هذه المواجهة أي أمل للشعب الإيراني؟
الشعب الذي عانى سنوات طويلة من العقوبات، والضغوط الداخلية، والأزمات الاقتصادية، قد يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن صراع يتجاوز يومياته وهمومه المعيشية. الحرب قد تفتح نظرياً باب تحولات داخلية إذا أضعفت النظام، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى العكس: مزيد من الانغلاق، وتعزيز خطاب “التهديد الخارجي” لتبرير تشديد القبضة.
أما لبنان، فهو يتأرجح بين خوف مشروع وأمل عنيد. خوف من الانجرار إلى صراع ليس صراعه، وأمل بأن تكون هذه اللحظة فرصة لتثبيت مبدأ واضح: أن مصلحة لبنان العليا تفوق أي محور خارجي.
إلى أين تتجه الأمور؟ لا أحد يملك جواباً حاسماً. لكن ما هو واضح أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها إعادة توزيع القوة والنفوذ. وفي لحظات كهذه تُختبر الدول: هل تكون ساحات للصراع، أم تكون أصحاب قرار؟
لبنان، المثقل بالجراح، لا يحتمل أن يصبح مجدداً صندوق بريد للصراعات. إذا كان هناك أمل يمكن استشفافه من هذه الحرب، فهو أن يدفع الجميع إلى مراجعة حساباتهم، وأن يعلو صوت العقل فوق هدير الصواريخ.
وحتى تنجلي الصورة، يبقى الدعاء الصادق: أن يُمنح هذا البلد الصغير فرصة حياة طبيعية، من دون أن يكون دائماً في قلب عواصف الآخرين.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...