في يومها الثالث، تبدو المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران أكثر من مجرد تصادم عسكري عابر. هي لحظة فاصلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ، وتحدد ليس فقط مستقبل النظام الإيراني، بل أيضاً موقع “إسرائيل “في المنطقة، ومصير حلفاء طهران الممتدة من لبنان إلى العراق واليمن.
حين تتساقط الضربات بهذا الحجم، ويُستهدف كبار القادة الإيرانيين، وفي مقدمهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ،يصبح واضحاً أننا لا نتحدث عن جولة عادية من “الرد والرد المضاد”. نحن أمام حرب ذات طابع وجودي، ترتبط بمستقبل النظام نفسه، وبسؤال محوري: هل سيُعاد إنتاجه بشكل أكثر تشدداً، أم ستتصدع بنيته من الداخل؟
من جانبها، تعتبر “إسرائيل” هذه المعركة حاسمة لأمنها الاستراتيجي طويل الأمد. فهي ترى في التمدد الإيراني عبر “حزب الله” في لبنان، والميليشيات في العراق، والحوثيين في اليمن، تهديداً مباشراً يحيط بها. لذلك، لم يعد ضرب العمق الإيراني مجرد خيار محتمل، بل أصبح عنوان المرحلة.
لكن السؤال المهم بالنسبة للبنان ليس فقط من سيربح ومن سيخسر، بل: هل سيُترك له الحق بالبقاء خارج هذا الصراع؟
في بلد بالكاد يلتقط أنفاسه بعد سنوات من الانهيار المالي والمؤسساتي، أي انخراط في حرب إقليمية يعني الانتحار الجماعي. لبنان غير مستعد اقتصادياً، اجتماعياً أو نفسياً لأي مواجهة جديدة. وتتضاعف المخاوف مع ارتباط الساحة اللبنانية بعضو بارز من حلفاء إيران العسكرية.
التداعيات بدأت تظهر سريعاً. تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل مؤشر على أن المجتمع الدولي يعيد ترتيب أولوياته في ضوء تصاعد الصراع. في هذه اللحظات، تصبح قضايا الدول الهشة مؤجلة، أو رهينة لتوازنات أكبر منها.
وإذ دخلت بعض دول الخليج أيضاً دائرة الاستهداف، فإن رقعة الصراع تتسع، ولو لفترة وجيزة . صحيح أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب قد لا تطول بسبب تكلفتها العالية للجميع، ولأن القوى الكبرى لا ترغب بانفجار شامل في منطقة النفط والغاز الأساسية في العالم. لكن قِصر المدة لا يقلل من أثرها؛ أحياناً يكفي أسبوع واحد لتغيير خارطة المنطقة لعقود.
يبقى السؤال الإنساني والسياسي: هل تحمل هذه المواجهة أي أمل للشعب الإيراني؟
الشعب الذي عانى سنوات طويلة من العقوبات، والضغوط الداخلية، والأزمات الاقتصادية، قد يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن صراع يتجاوز يومياته وهمومه المعيشية. الحرب قد تفتح نظرياً باب تحولات داخلية إذا أضعفت النظام، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى العكس: مزيد من الانغلاق، وتعزيز خطاب “التهديد الخارجي” لتبرير تشديد القبضة.
أما لبنان، فهو يتأرجح بين خوف مشروع وأمل عنيد. خوف من الانجرار إلى صراع ليس صراعه، وأمل بأن تكون هذه اللحظة فرصة لتثبيت مبدأ واضح: أن مصلحة لبنان العليا تفوق أي محور خارجي.
إلى أين تتجه الأمور؟ لا أحد يملك جواباً حاسماً. لكن ما هو واضح أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها إعادة توزيع القوة والنفوذ. وفي لحظات كهذه تُختبر الدول: هل تكون ساحات للصراع، أم تكون أصحاب قرار؟
لبنان، المثقل بالجراح، لا يحتمل أن يصبح مجدداً صندوق بريد للصراعات. إذا كان هناك أمل يمكن استشفافه من هذه الحرب، فهو أن يدفع الجميع إلى مراجعة حساباتهم، وأن يعلو صوت العقل فوق هدير الصواريخ.
وحتى تنجلي الصورة، يبقى الدعاء الصادق: أن يُمنح هذا البلد الصغير فرصة حياة طبيعية، من دون أن يكون دائماً في قلب عواصف الآخرين.


