السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نقطة ضعف ... الأقوياء

د . فلك مصطفى الرافعي/ رئيسة منتدى العلاّمة د. مصطفى الرافعي

لا ريب ان قراءة القرآن في رمضان هي القلب التعبّدي للطاعة المميّزة ، و من المؤكد ان معظم القصص قرأناها لمرات عديدة، وربما أحسست ان البعض منها كأني اتلوها لأول مرة و أتعجب من ذاكرة و من تاريخ أنصف الأقوياء ولم يشِرْ بطريقة واضحة الى مكامن الضعف في ملكهم ، و لعل في هذا فرصة ليتدارك ملوك الدنيا ان الله سبحانه وتعالى لم يمكّن احدا من تمام القوة وكمال المُلك ودوام الحال ، بل الأعجب أن ممالكهم بادت بعد ان سادت بنقطة ضعف تكابروا على الإعتراف بها..
فالأب الأول للبشرية وباكورة الأنبياء سيدنا آدم المستثمر الوحيد مع زوجه للجنة المشار إليها بأفيائها و ثمارها وتميزها و راحتها ..هذا المالك القوي والسعيد لرتبته النادرة ضعف أمام وسوسة من عدوه الأول ” ابليس ” الذي ارتكب أول معصية بالجسد و لم يسجد له احتراما و لا عبادة . هذه الإستكانة و التنفيذ للوسواس الخنّاس و بنقطة ضعف نادرة وصغيرة هبط مع صاحب المكيدة الى عناء الأرض و قسوتها ..
وفي سيرة احد أربعة ملوك حكموا الدنيا النبي سليمان الحكيم الذي طلب من مولاه مُلكا لا بنبغي لأحد من بعده وفهم منطق الطير ، و سُخّرت له الجن و الريح والطيور و الكواسر ، و سمع كلام النملة تحذّر قومها، و اتاه في لحظة ضعف من هو أصغر مملوكيه صاحب وزن الريشة ” الهدهد ” الأنيق ليقف أمام وزن حاكم الأرض بدون خوف او قلق بل بفخر واعتزاز أنه اكتشف ما لم يعرف مالك الأرض بأمرها مملكة سبأ و سيدتها بلقيس.
طائر صغير يقدّم بلاغا خطيرا لصاحب القوة التي لا تُقهر و طبعا لم يخضع الهدهد لقلع الأظافر أو التعرض لصعقة كهرباء و لم يدخل زنزانة لا تتسع لمرور قطرة ندى ، لأن الحكيم آمن ان المولى تبارك و تعالى لم يعطِ كامل القوة لمخلوق..
و بنفس القصة وقفت امام طلب غريب عندما لجأ النبي الحاكم الى من عنده في مجلسه قائلا : ” من يأتيني بعرش بلقيس ؟” فانبرى اول عفريت من الجن صاحب مهارات خارقة عارضاً ان يأتي بالمطلوب قبل ان ينفضّ مجلس الملك الى ان قال من هو من بني البشر وصفه الباري انه على علم ان يأتي بالعرش قبل ان يرتد طرف سليمان ، و هذه ثقافة الثواني القليلة و ربما الإشارة الى ان سلطان العلم اقدر من سلطان القوة ، نقطة ضعف أتت في محيط من الإيمان والعظمة و القوة الخارقة..
و ذاك فرعون مصر وجنوده وماله و ملكه صاحب النيل العظبم الذي حمل إليه عنوة الرضيع الذي سيقوّض عرشه لاستكباره . وكان اليم مرة ثانية يحمل إليه الغرق و الموت و نجاة الجسد ليكون عبرة مع توقف عند سحرة فرعون لمّا آمنوا فهي إشارة لصدق رسالة النبي موسى ، ومع هذا طغى و تكبّر مدعيّا الألوهية ليتخبّط في صخب الموج أنه آمن بعد فوات الأوان ..
و القصص لا تحتمل المزيد من السرد في مقال لأخلص الى جبابرة الأرض و طغاتها الذين يقتلون و يسرقون و يغتصبون العالم قهرا و يصدرون القرارات المزاجية و يهددون الشعوب المستضعفة التي تغن؟ي نشيدها الوطني و ترفع علمها وهي ضمنا محتلة لثقافة الأزرار النووية و الإبادة.
طغاة يتقاسمون العالم على منهج و غباء فرعون ، و لو عادوا الى الذاكرة والتاريخ لأحدثت دولة ما ” وزارة للتاريخ ” مهامها استعراض دائم لمحطات لا تُمحى من قاموس الشعوب و ذاكرتهم… حقيبة وزارية للتاريخ علها تلجم كوابح الطغاة وترفع بوجه تفلتهم البطاقة الحمراء ، هُيئت للتاريخ المحكي بإستمرار و ليس بالمناسبات الر وحية أو التقليدية، تضع اولويات برنامجها التذكير و استخلاص الدروس ان مجرد بعوضة أهلكت نمرود الأرض و لم تكفّ عن عبثها في تجاويف انفه إلا عندما ضرب رأسه بالنعل القديم..
…… لا قوة كاملة إلا لله تعالى…

و كم من قيصر صرخ في لحظة ضعف …” حتى انت يا بروتوس !”

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...