السبت، 7 مارس 2026
بيروت
10°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها.

فكُلَّما سَقَطَ صاروخٌ باتِّجاهِ إسرائيل، تَرتَفِعُ الأَصواتُ فَوْرًا لِتُعلِنَ أَنَّ حزب الله هُوَ مَن فَتَحَ بابَ الحَربِ، وأَنَّ إِسرائيلَ لا تَفعَلُ سِوى الدِّفاعِ عَن نَفسِها.

تُطلَقُ الاِتِّهاماتُ بِسُرعَةٍ، وتُرفَعُ بَياناتُ الإِدانَةِ، وتَبدَأُ التَّحليلاتُ الَّتي تَضَعُ المَسؤوليَّةَ كامِلَةً عَلَى الحِزبِ، وكأنَّ المَشهَدَ بَدَأَ فَجأَةً مِن لَحظَةِ إِطلاقِ الصَّواريخِ.

لكنَّ السُّؤالَ الَّذي لا يُريدُ كَثيرونَ طَرحَهُ هُوَ، مَتى بَدَأَ المَشهَدُ فِعلًا؟

هَل بَدَأَ عِندَما أُطلِقَتِ الصَّواريخُ؟
أَم عِندَما كانَتِ الطّائِراتُ الإِسرائيليَّةُ تَقصِفُ بِشَكلٍ شِبهِ يَوميٍّ مَواقِعَ لِلحِزبِ داخِلَ لُبنانَ؟
أَم عِندَما سَقَطَ مِئاتُ القَتلَى مِن عَناصِرِهِ نَتيجَةَ تِلكَ الضَّرَباتِ؟

وأينَ كانَتِ الأَصواتُ نَفسُها عِندَما تَحوَّلَ القَصفُ الإِسرائيليُّ في مَراحِلَ عَديدَةٍ إِلى ضَرَباتٍ طالَت مَناطِقَ لُبنانيَّةً مُختَلِفَةً، ودَمَّرَت أَبنيَةً سَكنيَّةً، وأَجبَرَت مِئاتِ الآلافِ مِن اللُّبنانيّينَ عَلَى تَركِ بُيوتِهِم؟

ما يُقارِبُ نِصفَ مِليونِ لُبنانيٍّ اِضطُرّوا لِلنُّزوحِ مِن قُراهُم ومُدُنِهِم بَحثًا عَنِ الأَمانِ.
عائِلاتٌ خَرَجَت تَحتَ القَصفِ.
مَنازِلُ أُغلِقَت عَلَى ذِكرياتِ أَصحابِها.
ومُدُنٌ كامِلَةٌ عاشَت تَحتَ صَوتِ الطّائِراتِ والاِنفِجاراتِ.

ومَعَ ذلِكَ، لَم نَسمَعِ الخِطابَ نَفسَهُ يَخرُجُ لِيَقولَ إِنَّ ما يَجري هُوَ إِرهابُ دَولَةٍ.
لَم نَرَ مَوجَةَ الإِداناتِ ذاتَها.
ولَم نَسمَعِ المَسؤولينَ أَنفُسَهُم يَتَحَدَّثونَ بِالحِدَّةِ نَفسِها الَّتي نَسمَعُها عِندَما يَسقُطُ صاروخٌ باتِّجاهِ إِسرائيلَ.

هُنا لا يَعودُ السُّؤالُ سِياسيًّا فَقَط، بَل يُصبِحُ سُؤالًا أَخلاقيًّا وَوَطنيًّا في آنٍ واحِدٍ.

هَلِ المُشكِلَةُ فِعلًا في الصَّاروخِ؟
أَم في الجِهَةِ الَّتي أَطلَقَتهُ؟

فَإِذا كانَ إِطلاقُ الصَّواريخِ جَريمَةً تَستَحِقُّ الإِدانَةَ، فَإِنَّ قَصْفَ المُدُنِ وَتَهجيرَ السُّكّانِ لا يُمكِنُ أَن يَتَحوَّلَ فَجأَةً إِلى عَمَلٍ مَشروعٍ لِمُجَرَّدِ أَنَّ مَن يَقومُ بِهِ يَمتَلِكُ القُوَّةَ وَالسِّلاحَ وَالقُدرَةَ عَلَى فَرضِ رِوايَتِهِ.

فَالحَقيقَةُ لا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ مَن يَضغَطُ عَلَى الزِّنادِ،
وَالدَّمُ الإِنسانيُّ لا يَصبِحُ أَقَلَّ قِيمَةً لِأَنَّ الضَّحيَّةَ تَقَعُ في الجِهَةِ الأَضعَفِ.

إِنَّ أَخطَرَ ما في الحُروبِ لَيسَ فَقَط النّارَ الَّتي تَسقُطُ مِنَ السَّماءِ،
بَل الرِّوايَاتُ الَّتي تُحاوِلُ إِقناعَ العالَمِ أَنَّ بَعضَ الدِّماءِ أَقَلُّ أَهَمِّيَّةً مِن غَيرِها.

وفي خِضَمِّ هٰذا المَشهَدِ، يَبرُزُ دَورُ بَعضِ مَن يُقَدَّمونَ عَلَى الشَّاشاتِ بِوَصفِهِم مُحَلِّلينَ سِياسيّينَ، فِيما لا يَكادُ خِطابُهُم يَتَجاوَزُ جُملَةً واحِدَةً تَتَكَرَّرُ في كُلِّ إِطلالَةٍ: الصَّواريخُ.

تَدورُ تَحليلاتُهُم في الحَلقَةِ نَفسِها، وكأنَّ المَشهَدَ بِكُلِّ تَعقيداتِهِ السِّياسيَّةِ والعَسكريَّةِ والإِنسانيَّةِ يُمكِنُ اِختِزالُهُ في سُؤالٍ واحِدٍ: مَن أَطلَقَ الصَّاروخَ؟

لا حَديثَ عَن سِياقِ الأَحداثِ، ولا عَنِ الضَّرَباتِ الَّتي سَبَقَت، ولا عَنِ المُدُنِ الَّتي قُصِفَت، ولا عَن مِئاتِ الآلافِ الَّذينَ نَزَحوا مِن بُيوتِهِم.

كُلُّ ما في جُعبَتِهِم تَحليلٌ يَدورُ حَولَ الصَّاروخِ، وكأنَّ الحَربَ كُلَّها تُختَزَلُ في لَحظَةِ إِطلاقِهِ.

وهُنا تَكمُنُ المُشكِلَةُ الحَقيقيَّةُ.
فالمُحَلِّلُ السِّياسيُّ لا يُفتَرَضُ أَن يُرَدِّدَ رِوايَةً جاهِزَةً، بَل أَن يَقرَأَ الصُّورَةَ كامِلَةً.
أَمّا حِين يَتَحوَّلُ التَّحليلُ إِلى تِكرارٍ ميكانيكيٍّ لِزاوِيَةٍ واحِدَةٍ مِنَ المَشهَدِ، فإِنَّ ذلِكَ لا يَكشِفُ شَيئًا عَنِ الحَربِ بِقَدرِ ما يَكشِفُ فَراغَ الجُعبَةِ السِّياسيَّةِ والفِكريَّةِ لَدَى مَن يُقَدِّمونَ أَنفُسَهُم خُبَراءَ في فَهمِها.

لُبنانُ اليَومَ لا يُواجِهُ حَربًا عَسكريَّةً فَقَط، بَل يُواجِهُ أَيضًا حَربَ الرِّوايَةِ.

فالمُشكِلَةُ في نِهايَةِ المَشهَدِ لَيسَت فَقَط في الصَّواريخِ الَّتي تُطلَقُ، وَلا في القَصفِ الَّذي يَسقُطُ، بَل في الرِّوايَةِ الَّتي تُكتَبُ بَعدَ ذلِكَ.

ففي كَثيرٍ مِنَ الحُروبِ، لا يُعادُ تَشكيلُ الحَقيقَةِ عَلَى أَرضِ المَعرَكَةِ فَقَط، بَل يُعادُ صِياغَتُها أَيضًا عَلَى مَنابِرِ التَّحليلِ وَشاشاتِ الإِعلامِ.

هُناكَ مَن يَختَصِرُ الحَربَ كُلَّها في صاروخٍ واحِدٍ،
وَيَتَجاهَلُ مُدُنًا كامِلَةً تَحتَ القَصفِ.

وهُناكَ مَن يَرفَعُ صَوتَهُ عِندَما يَسقُطُ صاروخٌ،
وَيَلتَزِمُ الصَّمتَ عِندَما تَسقُطُ المَنازِلُ فَوقَ سُكّانِها.

وهُنا تَظهَرُ الحَقيقَةُ المُؤلِمَةُ، لَيسَت كُلُّ الدِّماءِ في عالَمِ السِّياسَةِ تُقاسُ بِالمِعيارِ نَفسِهِ.

وأَخيرًا، مِنَ الضَّروريِّ التَّأكيدُ أَنَّ قِراءَةَ هٰذا المَشهَدِ لا تَعني الدِّفاعَ عَن أَيِّ طَرَفٍ أو تَبرِئَةَ أَيِّ جِهَةٍ مِن مَسؤوليّاتِها. فالنِّقاشُ هُنا لَيسَ دِفاعًا عَن حِزبِ اللهِ ولا هُجومًا عَلَيهِ، بَل مُحاوَلَةٌ لِقِراءَةِ الوَقائِعِ كَما حَدَثَت، بَعيدًا عَنِ الاِنتِقائيَّةِ في الإِدانَةِ أو اِزدِواجيَّةِ المَعاييرِ. لِأَنَّ الحَقيقَةَ لا تُبنَى عَلَى نِصفِ مَشهَدٍ… بَل عَلَى الصُّورَةِ الكامِلَةِ.

«الحُروبُ لا تَكشِفُ فَقَط قُوَّةَ السِّلاحِ… بَل تَكشِفُ أَيضًا شَجاعَةَ مَن يَجرُؤُ عَلَى قَولِ الحَقيقَةِ كامِلَةً.»

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...