لَمْ يَعُدْ ما يَجري مُجَرَّدَ تَصعيدٍ عَسكريٍّ عابِر، بَلْ دَخَلَ لُبنانُ مَرحلةً شَديدةَ الخُطورة، تَتَجاوَزُ حُدودَ الرِّسائلِ الميدانيّة إلى مَستوى كَسرِ القَواعِدِ الّتي طالَما حَكَمَتْ الاشتباك. فاستهدافُ العاصِمَة، وخصوصًا مَناطِقَ مَدنيّة كالباشورة، لَيْسَ تَفصيلاً، بَلْ تَحوُّلٌ نوعيٌّ يَحمِلُ في طيّاتِهِ إشاراتٍ بالِغَةَ القَسوَة.
ما جَرى هُوَ نَقلُ النِّزاعِ مِنَ الأطرَافِ إلى القَلب، مِنَ الحُدودِ إلى العاصِمَة، ومِنَ الاشتباكِ المَحدودِ إلى تَوتيرٍ شامِلٍ يُلامِسُ كُلَّ بَيت. وهذا بَحدِّ ذاتِهِ يُؤكِّدُ أنّنا أمامَ مَرحلةٍ جَديدة، لا تُقاسُ بما سَبَق، ولا يُمكِنُ احتِواؤُها بالأدَواتِ التَّقليديّة.
إنَّ استهدافَ المَناطِقِ المَدنيّة لَيْسَ مُجرَّدَ ضَربٍ عَسكريّ، بَلْ هُوَ ضَغطٌ نَفسيٌّ عَميق، يُرادُ مِنهُ إرباكُ الداخِلِ اللُّبنانيّ، وزَعزَعَةُ ما تَبقّى مِن شُعورٍ بالأمان. فحينَ تُضرَبُ بَيْروت، لا يُستهدَفُ مَوقِعٌ فَقط، بَلْ تُستهدَفُ مَعنوياتُ شَعبٍ كامِل.
وفي قِراءةٍ أوسَع، يَبدو واضِحًا أنّ لُبنانَ لَمْ يَعُدْ ساحةً مَحلّيّة، بَلْ باتَ وَرَقَةً ضِمنَ صِراعٍ إقليميٍّ كَبير، تُستَخدَمُ فيهِ الضَّرباتُ كَرَسائل، ويُعادُ رَسمُ التَّوازُناتِ عَلى حِسابِ استِقرارِهِ الهَشّ. فَكُلُّ صاروخٍ يَسقُطُ هُنا، يَحمِلُ في مَضمونِهِ كَلامًا سِياسيًّا يتَجاوَزُ الحُدود.
الخَطيرُ لَيْسَ فَقط في قُوَّةِ الضَّربات، بَلْ في إمكانيّةِ الانزلاقِ إلى ما هو أبعَد. فحينَ تُكسَرُ الحُدودُ، وتَتَراجَعُ الضَّوابِط، يُصبِحُ كُلُّ شَيءٍ مُتاحًا، ويُفتَحُ البابُ أمامَ تَصعيدٍ لا يُمكِنُ التَّحكُّمُ بِمَسارِهِ.
لُبنانُ اليَومَ يَقِفُ عَلى حافَّةِ مَسارَين: إمّا الانزلاقُ إلى مُواجَهَةٍ مَفتوحة تُدخِلُهُ في نَفقٍ مُظلِمٍ طَويل، وإمّا التِقاطُ فُرصَةٍ ضَيّقةٍ لاحتواءِ الانفِجار قَبلَ أن يَتَحوَّلَ إلى واقِعٍ كامِل.
لَكِنّ الحَقيقةَ الّتي لا يُمكِنُ تَجاهُلُها، أنّ استهدافَ العاصِمَة لَيْسَ كَأيِّ استهداف… فَبَيْروتُ لَيْسَت مُجرَّدَ مَدينَة، بَلْ هِيَ مِيزانُ لُبنان، وإذا اختَلَّ المِيزان… فَإنَّ الجَميعَ سَيَدْفَعُ الثَّمَن.


