في أحدث تقرير لرابطة السيارات الأمريكية بتاريخ الأحد 3 مايو 2026 بلغ متوسط سعر جالون البنزين في عموم الولايات المتحدة 4 دولارات و45 سنتاً، وقبل أيام أشهرت شركة سبريت إيرلاين، إحدى شركات الطيران الكبرى إفلاسها، بسبب رفض الحكومة الأمريكية دعمها بـ500 مليون دولار، نتيجة ارتفاع أسعار وقود الطائرات.
على النقيض من ثرثرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصة تروث سوشيال الخاصة به، حيث يؤكد امتلاكه الأوراق كافة، تبرز الضغوط الاقتصادية على إدارته في الداخل الأمريكي، ما يجعله بصدد خيارات أحلاها مر وبطعم الهزيمة السياسية أمام أعدائه في طهران.
كل يوم يمر من عمر مأزق واشنطن في مضيق هرمز، دون حل، يكبد الإدارة الأمريكية خسائر اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، ويخصم من رصيد الولايات المتحدة كقوة دولية عظمى، حيث الخسائر تكون أعمق، لأنها تتعلق بمكانتها، ليس فقط بين حلفائها في الشرق والغرب، ولكن أيضاً أمام خصومها ومنافسيها التقليديين (الدب الروسي، والتنين الصيني).
إشهار إفلاس إحدى شركات الطيران الأمريكية العملاقة (سبريت إيرلاين)، والتي كانت تسيّر رحلات في عموم الولايات الأمريكية ودول أمريكا اللاتينية، قد يكون مقدمة لانفراط العقد لتتبعها شركات أصغر حجماً، رفضت الحكومة الفيدرالية الاستجابة لطلبها الدعم بنحو مليارين ونصف المليار دولار لإنقاذها من شبح الإفلاس.
ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، لم يتوقف الأمر عند ارتفاع سعر جالون البنزين، حيث يعاني المواطن الأمريكي، بحسب تقارير اقتصادية، من استيراد التضخم عبر السلع الواردة من الصين ومختلف دول العالم، وهو ما قد يمتد إلى الشركات الأمريكية المستهلكة للطاقة ومنتجات البترول، ما قد يؤدي إلى الركود الاقتصادي. كل ذلك لا يعني فقط ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وإنما أيضاً فقدان آلاف الوظائف.
ترامب، في محاولة يائسة، طلب من شركات البترول الأمريكية التوسع في الإنتاج عبر ضخ المزيد من الاستثمارات في حفر آبار جديدة، والتوقف عن تصدير البترول إلى الخارج، أملاً في أن يسهم ذلك في خفض الأسعار، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، حرصاً على المكاسب الحالية لأصحاب الشركات.
عندما خرجت تقارير تتحدث عن تلقي ترامب سيناريوهات استئناف العدوان على إيران، والتي تراوحت بين توجيه ضربات جوية وصاروخية سريعة، وعمليات إنزال بري لسرقة مخزون اليورانيوم المخصّب، ردت أسواق الطاقة بارتفاعات جديدة سجّلت 126 دولاراً لسعر البرميل.
مقاربات الرئيس الأمريكي بتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية داخل بلاده تبدو حتى الآن فاشلة، وفي الوقت نفسه استمرار الجمود السياسي لن يطول كثيراً، وحتما سينتهي إلى استئناف الحرب، ما يعني تعميق المأزق واستنزاف الولايات المتحدة إلى حد إغراق ما تبقى من نفوذها وقدراتها السياسية والعسكرية في أعماق مياه الخليج العربي.
وفقاً للـ«سى إن إن» تعرض 16 موقعاً عسكرياً أمريكياً في منطقة الخليج لتدمير شامل، وأصبح أغلبها غير صالحاً للاستخدام، علاوة على ذلك فقد الجيش الأمريكي 45% من مخزوناته الصاروخية وذخائره، ما يجعل الحديث عن استنزاف ما تبقى من الإمكانيات العسكرية الأمريكية في المنطقة، حال عودة الحرب، غير مبالغ فيه.
إطالة أمد الأزمة خسارة للطرفين، وإذا كانت إيران قد اتخذت بعض التدابير للتكيف مع العقوبات الأمريكية المتزايدة، وحصار الموانئ، والتي كان من بينها خفض إنتاج البترول بنسبة 30% وزيادة الاعتماد على الحدود البرية الممتدة في عمليات التبادل التجاري، إلا أن المزيد من الخنق الاقتصادي لعدة أشهر قادمة قد يؤدي لتفجير الأوضاع الداخلية، لذلك لن تصبر طهران طويلاً على الجمود (حالة اللا سلم واللا حرب). وفي المقابل ستتعمق الأزمات الاقتصادية في الداخل الأمريكي، وإذا وصلنا إلى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل لن يكتفي النواب الديمقراطيون، المتوقع انتصارهم باعتراف المتحدثة باسم البيت الأبيض، بتكبيل الرئيس الأمريكي وجعله بطة عرجاء، حيث سيذهبون مباشرة إلى عزله، لأن الولايات المتحدة لن تستطيع تحمل بقائه في المكتب البيضاوي لعامين قادمين.
طهران لن تستطيع صبراً على محاصرة موانئها وخنقها اقتصادياً، وستذهب إلى فك هذا الحصار بالقوة العسكرية، لأن عودة الحرب ستجعل الشعب الإيراني يحتفظ بتماسكه والتفافه حول النظام السياسي وقواته المسلحة، وفي خلفية هذا المشهد هناك الدعم الصيني والروسي اللوجيستي والسياسي المستمر، لضمان المزيد من انزلاق قدم أمريكا في الوحل الإيراني، وهو الوضع الذي قد يؤدي إلى انضمام عدد من نواب الكونجرس الجمهوريين إلى زملائهم الديمقراطيين لتصبح هناك أغلبية تكون قادرة، عبر آلية الكونجرس، على إجبار ترامب لإنهاء الحرب، وحينها سينتهي العدوان دون توقيع اتفاق بشأن اليورانيوم أو مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك ستلجأ إيران إلى تفعيل ورقة مضيق باب المندب لتتعمق معه الأزمة الاقتصادية العالمية، ومعاناة المواطن الأمريكي.
من هذه الزاوية تصبح كل السيناريوهات العسكرية المطروحة على الرئيس الأمريكي، في حال تبنيه إحداها، بمثابة إعلان مبكر لهزيمة الولايات المتحدة.
وجاهة هذا التحليل تأتي من نتائج العدوان الصهيوأمريكي على إيران حتى الآن، حيث فشل في تحقيق كل أهدافه، بدءاً من إسقاط النظام وتحريك الشعب الإيراني نحو المظاهرات والفوضى، وصولاً إلى تدمير قدرات إيران العسكرية وبرنامجها النووي، وإجبارها على التخلي عن دعم أذرعها في المنطقة، مروراً بفشل دبلوماسية ترامب في تشكيل تحالف دولي يضم حلف الناتو، وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، لشن العدوان على طهران ابتداء، ثم لفتح مضيق هرمز.
الجانب الإيراني قدم عرضاً لإنهاء الحرب يتضمن ثلاث مراحل، الأولى تشمل إنهاء الحرب بضمانات دولية على إيران وجميع حلفائها في المنطقة، وانسحاب القوات الأمريكية، وفتح تدريجي لمضيق هرمز، مع إنهاء تدريجي للحصار على الموانئ الإيرانية، وقيام إيران بتطهير المضيق من الألغام وقبولها بالمساعدة الأمريكية في هذا المجال، مع تخفيف العقوبات الاقتصادية، وذلك خلال ثلاثين يوماً، لتأتي بعدها المرحلة الثانية الخاصة بالمسألة النووية، حيث تنازلت إيران عن شرطها بألا تزيد مدة تجميد تخصيب اليورانيوم عن خمس سنوات، لتصبح في العرض الجديد 15 سنة، لتقترب بذلك من مطلب ترامب بأن تكون مدة التجميد 20 سنة، تواصل بعدها نشاطها النووي لتخصيب اليورانيوم بمعدل 3٫6% مع الاحتفاظ بكامل القدرات النووية من مفاعلات وأجهزة طرد مركزي.
أما المرحلة الثالثة فتتضمن حواراً استراتيجياً مع دول الإقليم لصياغة منظومة واستراتيجية جماعية جديدة للأمن. ترامب سارع إلى رفض العرض الإيراني، فيما قدمت إدارته رداً حمل بعض التعديلات، وفقاً للخارجية الإيرانية، ما يعني أن حديث ترامب عن الرفض المطلق غير صحيح.
طهران لا تريد العودة للحديث عن مد الهدنة، وإنما سلام شامل بضمانة دولية من أجل بناء جسور ثقة مع واشنطن، وبتركيزها في المرحلة الأولى على آليات فتح مضيق هرمز تحاول مخاطبة الرأي العام العالمي، والحكومات المختلفة، لأن استعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز تعني بداية التعافي من التداعيات الاقتصادية السلبية للعدوان الصهيوأمريكي.
وبعيداً عن تفاصيل الرد الأمريكي، يتعين أن تكون دول الإقليم الكبرى (مصر، السعودية، تركيا)، التي تلعب دوراً أساسياً في جهود الوساطة إلى جانب باكستان جزءاً من الحوار الأمريكي الإيراني غير المباشر، والدائر الآن حول الورقة الإيرانية، على أن تنضم إليها الصين وروسيا وإنجلترا والاتحاد الأوروبي، عبر القنوات الدبلوماسية المفتوحة مع كل من واشنطن وطهران، من أجل إنضاج هذه العملية، لا سيما وأن إيران أبدت مرونة فيما يخص مدة تجميد اليورانيوم، لأن المزيد من العناد يقود لعودة الحرب، التي طالت تداعياتها جميع شعوب العالم تقريباً.


