تربينا على تجمعات لأبناء بيروت في المصيطبة، يرفعون على سياراتهم صور جمال عبد الناصر ، واعلام الجمهورية العربية المتحدة، أي دولة الوحدة بين مصر وسورية .. متجهين صباح كل يوم 22/شباط سنوياً إلى قلب العروبة النابض في دمشق للقاء جمال عبدالناصر، ليهتفوا باسم بطل الوحدة العربية، وليستمعوا إلى كلمته موجهاً اياها على بعد كلمترات من فلسطين التي يحتلها الصهاينة . ..كانت العروبة عندنا هي فلسطين كما الكرامة كما الجهاد كما كل حركة من اجل فلسطين ، وتعلمنا من بيروت هتاف وشعار :فلسطين بعد القنال يا جمال ، فبعد ان استرد جمال قناةٍالسويس من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني ، صار مطلب العرب بتحرير فلسطين قريب التحقيق ، بقيادة جمال وكانت الوحدة هي طريقها .
كان من يتحدث بالمذهبية عميلاً لإسرائيل، ولم يكن ليخطر ببال عربي ان يتهم بالعمالة للعدو الصهيوني ، فقد كانت العمالة لإسرائيل كفر وخروج عن الدين ، وسقوط في براثن الشيطان ، وشتم بالله ورسوله والاخلاق والمسيح
وضج الشباب العربي بالأنفس التي انغمست بالحركات والاحزاب والجماعات الوحدوية ..كنا نتنفس العروبة والوحدة ، وبعد ان رفع جمال شعار حريةً- اشتراكية – وحدة ، صرنا نتنفس الاشتراكية بعد الحرية والوحدة ..والغى النائب عن بيروت نسيم مجدلاني حزب الغساسنة الذي اسسه في بيروت ، لأنه اراد حزباً وحدوياً عربياً خالصاً لا دلالةفيه إلى طائفة او مذهب
رزق الله يا بيروت ، وكان شبابك -وهم الآن بين مغادر الحياة ومعتزل المجتمع ، عندما كانت العروبة في ذروة مدها نحو المجد وصنع الوحدةًواستعادة تاريخ عمر بن الخطاب وصلاح الدين نهتف لجول جمال ويوسف العظمة ..هذه ثقافة اجيال من المحيط الى الخليج ، كانت تنتظر شعارات الوحدة تنطلق من العاصمة البيضاء .. وشباب الخمسينات قرأ في تاريخ آبائه وأجداده ذهابهم برًاعبر فلسطين ومصر والصحاري إلى ليبيا للقتال مع عمر المختار وناسه ضد الاستعمار الإيطالي ..
ولكن وللأسف ..
صار ت الاولوية في بيروت للمذهبية السنية . كما اخترع مذهبيون شيعة هتاف شيعة شيعة شيعة !!!
ومع هذا رافق هذا الشعار اصوات ناصرية صامدة سنية وشيعية ودرزية ( رحمك الله يا مير طارق ناصر الدين ويا اخ كمال شاتيلا ، كما قدم آلاف الشباب انفسهم من اجل فلسطين وتحرير الجنوب
يا رزق الله يا بيروت ، وكنت مشيعاً في جنازةالبيروتي البطل خليل عز الدين الجمل ، الذي ذهب إلى الأردن براً ليقاتل مع حركة فتح ، بعد معركةًالكرامة في آذار / مارس 1968 في غور الأردن .
لم يخطر في بال شاب ان يتهم يوماً بأنه مذهبي ،لأن هذه التهمة هي كل العار ..لأنه كان ناصع البياض في قناعته بالعروبة … وكان ولاؤه لحزب عروبي او يساري ( قبل ان يقر الإسلاميون السنة بالقتال دفعاً عن فلسطين )ومنذ ان تخلى العربي عن عروبته ،سقط من الوطنية وذهب إلى المذهبية ، وصار أقرب إلى الصهيونية ، بل وصار يجهر بالعداء للمقاومة ضد اسرائيل!!وما همه ان يقال له : لقد اصبحت اقرب الى الصهيونية ..أقرب إلى الخيانةٍ… ؟ومن اسف ان الخيانة صارت عنده وجهة نظر !!
لعلكم تشاهدون او تسمعون خيانة اعلاميين وسياسيين ، “ومعجبون” بالعدو الصهيوني .. يطلون على الشاشات ، ومتبرعون عبر الشبكات الداخلية، يروجون للخيانة سعداء بعد ان قبضوا الثمن بوسائل متعددةً، وصنعوهم نجوماً من كرتون يضحكون كما في الصور المتحركة!!
رزق الله يا بيروت ، وقد علمت اجيال العرب التي درس شبابها العروبة في جامعاتك .. فكان بينهم الناصريون والبعثيون والقوميون العرب وقوى اليسار والتقدم .. وصار لكاسترو انصار ولغيفارا مقلدين ، و لفيتنام مؤيدين .
رزق الله يا بيروت ، كانت شوارعك، تشهد مظاهرات شعبية ضد زيارة قطع من الأسطول السادس الأميركي إلى مرفأ بيروت ، ومنذ سنوات يتكالب سياسيون وإعلاميون ،، لإستجداء استقبال موظف او مخبر لهم في عوكر او غيرها ..ليتلقى الدعم والتوجيه والتعليمات ،مؤجراً ضميره ، بائعاً كيانه ..في مقابل حفنة من الدولارات ،
رزق الله يا ست الدنيا
يوم كنت ست الدنيا ..
غير ان هذا كان عندما كان جمال عبد الناصر مرجعك الأول .


