الجمعة، 15 مايو 2026
بيروت
19°C
غيوم متناثرة
AdvertisementAdvertisement

الصين تستقبل ترمب بلغة العقل والجسد

في عالم السياسة، ليست الكلمات وحدها من تصنع الرسائل، بل طريقة الوقوف، ونظرات العيون، وترتيب الاستقبال، وحتى المسافة بين الزعيمين. من هنا، بدا المشهد بين الصين ودونالد ترمب أشبه بمبارزة صامتة بين قوتين عظميين، كل واحدة منهما تريد أن تقول للأخرى: “أنا الأقوى… لكنني أعرف أنك تحتاجني”.
ترمب اليوم يتوجه إلى الصين بكل ثقله الاقتصادي والمالي، لا كرئيس عادي، بل كرجل أعمال يعرف كيف يتحدث بلغة الأسواق والأرقام وصفقات المليارات. وصل ومعه وفد من رؤساء الشركات العالمية العملاقة، وفد تتجاوز قوته الاقتصادية قدرات أكثر من ستين دولة مجتمعة، في مشهد يحمل الكثير من الرسائل السياسية والاقتصادية في آنٍ واحد.
لكن الصين لم تستقبل ترمب بالتصفيق وحده، بل استقبلته بلغة مختلفة… لغة العقل والجسد.
منذ اللحظة الأولى في المطار، كان المشهد مدروساً بدقة صينية عالية. وجوه شبابية واعدة، أجيال جديدة تحمل رسالة واضحة: “نحن المستقبل”. أرادت بكين أن تقول للأميركيين إن الصين لم تعد مصنع العالم فقط، بل أصبحت عقل العالم القادم أيضاً.
أما الرسالة الأقوى، فجاءت في لحظة وقوف الرئيس الصيني أمام باب القصر منتظراً ترمب والوفد المرافق. في لغة الجسد، لم يكن ذلك مجرد بروتوكول استقبال، بل إعلان سياسي هادئ وعميق المعنى:
“أنتم من أتيتم إلينا… وأنتم من يحتاج هذه الشراكة”.
الصين اليوم لا تتحدث من موقع الضعف، بل من موقع القوة والثقة بالنفس. لديها اقتصاد عملاق، وتكنولوجيا متقدمة، وعدد هائل من المواطنين الذين يريدون التفوق في كل المجالات. لقد أثبتت بكين خلال السنوات الماضية أنها ليست رقماً عادياً في المعادلة الدولية، بل قوة لا يُستهان بها قادرة على أن تقول “نعم” أو “لا” وفقاً لمصالحها الاستراتيجية.
وفي المقابل، تدرك واشنطن أن المواجهة مع الصين لم تعد ممكنة فقط عبر القواعد العسكرية والأساطيل البحرية، لأن المعركة الحقيقية أصبحت اقتصادية وتكنولوجية وتجارية. لذلك، جاء ترمب ليضع يده في يد الصين، ليس حباً بالصين، بل لأن المصالح الكبرى تفرض نفسها على الجميع.
الصين بدورها تبدو واضحة في مطالبها:
نريد تايوان…
نريد استكمال مشروع طريق الحرير…
نريد اقتصاداً حراً ومتوازناً بين البلدين…
وفي المقابل، تدرك بكين أن لدى الولايات المتحدة هواجس كثيرة ومطالب أكبر، من النفوذ الاقتصادي إلى الأمن التكنولوجي والتوازن العالمي. لذلك، يبدو المشهد وكأن الطرفين وصلا إلى قناعة مشتركة: لا بد من الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لا على قواعد عسكرية هشة، بل على قواعد اقتصادية متينة تحفظ مصالح الجميع.
إنها لحظة مصارحة دولية كبرى، عنوانها:
“ما لقيصر لقيصر… وما لله لله”.
رسالة الصين يفهمها ترمب جيداً، ورسالة ترمب أيضاً وصلت إلى بكين من دون مكياج سياسي أو مراوغة دبلوماسية. كل طرف يرى نفسه الأقوى، وكل طرف يريد الاقتصاد الأفضل، لكن الحقيقة الأهم أن العالم تغيّر، ولم يعد ممكناً لأي قوة أن تحكم وحدها.
بين التنين الصيني والعقلية الترمبية، لا يبدو الصراع صراع حرب بقدر ما هو صراع من يقود الاقتصاد العالمي المقبل… ومن يكتب شكل العالم الجديد

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

أمريكا هي أس البلاء والحروب والإجرام والتجويع

الخبر: يرى بعض الساسة في لبنان أن أمريكا هي صديقة للبنان، ويرون أنها تريد لهم الخير والمساعدة والإنقاذ مما نحن فيه في لبنان، بل وفي منطقتنا الإسلامية كلها. 🎙️التعليق: في الحقيقة...

نحن لا نتبنى

* في عام ١٩٨٤ ذهبت الي معهد التغذية بشارع القصر العيني بالقاهرة لزيارة مكتبته .. وعندما أردت أن أصور بعض ما أريد من المكتبة ،أشارت مديرة المكتبة إليّ مركز أبحاث أمريكي داخل المعهد...

من يتحمل مسؤولية خطاب سياسي وإعلامي لا يرقى إلى مستوى تضحيات أهل المقاومة وناسها؟

منذ بداية الحرب الأخيرة التي أطلقتها المقاومة في ٢ آذار، كان واضحًا حجم الغياب الإعلامي مقارنة بالحرب الماضية، والتي كان نجمها المظلوم الحاج محمد عفيف، الذي كان فدائياًبكل...

راهبان على الطريق

ما إن تقترب من أعتاب ذلك البيت المتواضع، حتى يتبدّل إحساسك بالمكان من جدرانٍ محدودة إلى فضاءٍ من الطمأنينة، وكأنك تعبر من ضجيج العالم إلى سكينةٍ لا تُفسَّر، بل تُعاش. هناك، في هذا...

قطاع غزة احيل إلى التقاعد ؟

نعم قضية قطاع غزة احيلت إلى التقاعد ، في ظل هذه التطورات “المفتعله” ، فقد تحولت الأنظار إلى ايران وتم نسيان غزة المسكينة، صحيح هناك عمل وتنسيق يجري مع رئيس مجلس السلام...

حين يصبح ضبط النفس نقطة ضعف، من التسامح إلى استباحة المحرّمات، عندها لا مكان لأنصاف المواقف

عندما تتشكّل الأحزاب والمنظمات، تبدأ نواتها بفكرة، يلتقي عليها جمعٌ من الأفراد. تتبلور الفكرة لتصبح ميثاقًا يجمع الأفراد ضمن رؤية توصل إلى تحقيق الأهداف. ومع الوقت، تمنح الجماهير...