في الصالونات الباردة لعواصم القرار، حيث تظن واشنطن أن مصائر الشرق تُطبخ على عجلٍ فوق طاولة الابتزاز، يجلس عباس عراقجي ببرودٍ يوازي صقيع جنيف. الرجل لا يفاوض؛ بل يحيكُ الهاوية لخصومه بغرزةِ سجّادٍ عجميّ صبور، غرزة تلو غرزة، حتى يكتشف “العم سام” أن ياقته الدبلوماسية قد تحولت إلى مشنقةٍ تطوق غطرسته.
كواليس مسقط وسويسرا تخبئ السرّ الأثمن: عراقجي لم يكن يقرأ من نصوص القانون الدولي، بل كان يترجم هدير الميدان في جنوب لبنان ونار طهران إلى نصوص استسلامٍ مغلفة بالأناقة. بين الغرف المغلقة، مارس عراقجي “العزل الدبلوماسي” الفائق؛ رفض مصافحة اليد الأميركية الملطخة بدم الضاحية، وأجبر وفد البيت الأبيض على البقاء خلف الأبواب المغلقة كمن ينتظر حكماً غيابياً، في إهانةٍ بروتوكولية مبطنة جعلت كبرياء واشنطن ينزف صامتاً.
الضربة العبقرية التي قصمت ظهر نتنياهو تجلت في مرونة الحديد التي أبداها عراقجي. عندما راهن الغرب على لقمة الصفقات العابرة، وضع الوزير المحنك ثقل بلاده فوق الطاولة ممسكاً بقدسية التحالف: “لا حبر فوق الأوراق، ولا تهدئة في المنطقة، إلا بانسحابٍ إسرائيلي كامل وشامل من تراب لبنان”. هكذا، وبجرة قلم، تحول جنوب لبنان من ساحة معركة إلى “مفتاح القفل القومي” لأميركا وإسرائيل معاً.
بينما يتخبط ترامب في سيل تغريداته، ويتحسس نتنياهو جدران زنزانته؛ يخرج عراقجي من المعركة دون أن تفقد ياقته البيضاء أناقتها، حاملاً شروط الميدان كأمرٍ واقع. لقد أثبت هذا الثعلب الفيروزي أن الصخرة الإيرانية لا تبيع رفاق الدم، وأن بنادق المقاومة إذا ما أطلقت رصاصها في الجنوب، صاغ عراقجي صداه نصاً دولياً يطأطئ له الجبابرة رؤوسهم.


