الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم وما يُلقَّاهآ إلا الذين صبروا وما يُلقَّاهآ إلا ذو حظٍ عظيم} سورة فُصِّلت. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أتدرون ما المفلس قالوا المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ويأتي قد شتم هذا وقَذف هذا (القذف كل كلمة تنسب إنسانًا أو أحد قرابته إلى الزنا) وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار” رواه مسلم.
في الحديث بيان من هو المفلس حقيقةً لا ما عُرف في استعمال الناس لهذه اللفظة حيث يطلقونها على من قلَّ ماله وهذا قد ينجبر فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المفلس الذي أفلس ولا ينجبر إفلاسه هو الذي يأخذ الناس من حسناته لأجل تبعاتٍ كانت لهم عليه كما يُؤخذ من الغريم ما بيده أو طُرحت عليه من سيئاتهم ثم طُرح في النار وإذا عُلم هذا فاحذر لتسلم يوم القيامة وأعط كل ذي حقٍ حقَّه ولا تظلم بالقول أو بالفعل فإن التعرُّض للناس بما يؤذيهم بغير حقٍ كالسب والقذف والضرب والحبس ونحو ذلك ظلمٌ حرامٌ وإن ظلمت وفات حق المظلوم في الدنيا فلا مفر لك يوم القيامة وتذكَّر أن حُسن المعاملة مع تقوى الله حصنٌ يقيك من شُرور الآخرين وملاذٌ تحفظ به نفسك من الإفلاس يوم القيامة بخلاف المعاملة الخبيثة فإنها تكسبك العداوة والبغضاء وربما تأتَّت من هذه العداوة مخاطر شديدة بل وتحتاج بعد ذلك إلى الاعتذار وطلب الصَّفح ممن أسأت إليهم بمعاملتك السيئة فتؤول الأمور إلى أن تكون في حالةٍ ما كان أغناك عنها ويؤخذ من حسناتك يوم القيامة ما لم تتدارك نفسك بالتوبة وكلما اجتنبت ما يترتب عليك بسببه أن تستسمح الناس كنت على قدرٍ من حُسن الحال فعن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ولا تكلَّمنَّ بكلامٍ تعتذر منه غدًا” رواه البيهقي. وهذا يعني أن تنظر فيما أردت قوله فإن كنت ترضاه لنفسك لو واجهك أحدٌ به فقله وإلا فاسكت فإنه يؤذي غيرك كما يؤذيك، فاعتنِ بأداء ما لزم عليك من حقوق الناس خشية أن تكون من المفلسين واحفظ حسناتك لتبقى لك وتيقَّن أن عدم التطاول على الناس بالبغي ليس عارًا وإن رأى الشاذُّون خلاف ذلك فليست العبرة بالشذوذ والقدوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا الجويهل الفلاني ولا السفيه الفلاني
وكم نرى ونسمع عن خصوماتٍ ربما بالسلاح في بعض الأحيان على خلفية معاملة سيئة او كلمةٍ فيها شتمٌ او قذفٌ وإذا ما سعيت في إصلاحٍ بين الخصمين ادَّعى كلٌ منهما أنه مظلومٌ وربما تبيَّن لك عند التدقيق أن الاثنين ظلمة ويتكبَّر كلٌ منهما عن الاعتذار لخصمه انتصارًا لنفسه الأمَّارة بالسوء، وإن غُصت في التفاصيل أكثر وجدت الخصمين إخوة أو أولاد عمٍ أو أبناء خؤولة وترى أن هذا المخاصِم يسكت عن إساءةٍ أكبر تتأتَّى من بعض أصحاب النفوذ لأجل دنياه بينما لا يصبر على قريبه لأجل أخراه، وربما دافع بعضهم عن نفسه بكلام فاسد فقال: “من كان أكبر منك بيوم كان أعلم منك بسنة” فيرى من خلال هذا المثل الأعوج أنه هو المحق وهو الذي ينبغي أن ينفذ رأيه ويتكبَّر عن طلب المسامحة لأنه بزعمه أعرف بالمصالح من خصمه لكبر سنه فقط، علمًا أن هذا الكلام ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قال به أحدٌ من الأئمة المعتبرين بل هو كلام متضمِّنٌ لمعنىً فاسدٍ لا يستقيم، فإن الأفهام والعلوم قسمةٌ من الله ليست بحسب السن وكم من صغارٍ في أعمارهم فاقوا كبارًا في السن والأيام تشهد بذلك ومن ظن أن العبرة بمجرد السن كمن ظن الصدأ ذهبًا ولو وطَّد كلٌ منا نفسه على معاملة الآخر كما يحب أن يعامله غيره من الناس لما وصلنا إلى مثل هذا الخصام الشديد.
فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”فمن أحب أن يُزحزَح عن النار ويُدخَل الجنة فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يُحب أن يؤتى إليه” رواه مسلم. فإذا كنت تحب أن يعاملك الناس بمحاسن الأخلاق فعامل الناس أيضًا بمثل ذلك وكفَّ لسانك وجوارحك عن أذاهم فعن عبد الله بن عمرو أيضًا عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:”المُسْلِمُ منْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ”مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لن تَسَعُوا الناس بأموالكم فليْسَعهم منكم بسط وجهٍ وحُسنُ خُلقٍ” رواه ابن أبي شيبة.
ثم إن من الخطر الكبير ان لا يُميِّز المرء بين ما يُصلح النفس وما يُهلكها فإنه لا ينبغي للنفس الأمَّارة بالسوء أن تُعطى كل ما تميل إليه فإنها إن غلبتك قتلتك وإن غلبتها ملكتها
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين} سورة الأعراف.
وقال أيضًا:{فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} سورة آل عمران.
وعن أبي البجير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ألا يا رُبَّ مُكرمٍ لنفسه وهو لها مهين”رواه البيهقي. ومعناه: يظن أنه يُكرم نفسه بمقاتلة فلانٍ مثلًا وهو في الحقيقة يهينها بمجاوزة حد الشرع وظلمه لفلانٍ بسبه او ضربه أو حبسه وربما كان له حقٌ فلم يكتف بتحصيله بل زاد بالتعدي فصار ظالمًا ويكون شأنه الإفلاس يوم القيامة.
وماذا يُضيرك لو صبرت على الإخوان ولم تتعدَّ فلقد قيل:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا أخاك فلن تلقى الذي لا تعاتبه
والحمد لله اولًا وآخرًا.


