مقال مهم جدا للباحث السويدي / العراقي حسين عسكري وهو مختص في الشؤون الاقتصادية والسياسية في معهد شيللر العالمي، ونائب رئيس معهد الحزام والطريق في السويد “AI” وأهمية المقال تتأتى من كونه يتعرض بالأرقام، والجغرافيا، والتاريخ، والتحليل لأهم مسألة مشتعلة الآن بشأن الطاقة والصراع في المنطقة وهي مسألة “مضيق هرمز”، وهو الموصوف بأنه أشد أثرا ومكانة من أثر ومكانة القنبلة النووية في الصراع الأمريكي الإيراني.
وخلاصة المقال أنه “لا بديل عن مضيق هرمز، إلا مضيق هرمز”
وهذه حقيقة لا تخفى على أصحاب القرار في العالم ” العاقل”، وكل ترويج لغير ذلك إنما يندرج في إطار الخداع، ويطرح لأسباب أخرى تتطلع إليها كل دولة حسب ما ترى من مصلحة تخصها.
أربعة حقائق تؤكد هذا النتيجة:
** محدودية قدرة الطرق البديلة على تأمين نقل النفط عبرها، ومن قديم هناك طرق بديلة ممثلة بخطوط نقل النفط عبر الأنابيب من السعودية عبر الأردن وسوريا ولبنان إلى البحر المتوسط “التابلين” في الخمسينات من القرن الماضي، ومن أبو ظبي إلى بحر العرب عبر إمارة الفجيرة، متجاوزة مضيق هرمز.
لكن طاقة هذه الخطوط محدودة جدا قياسا للنقل البحري. إن من المهم إدراك محدودية هذه الخطوط.
** ضعف مرونة النقل عبر الأنابيب في تلبية تصاعد الطلب على النفط، إذ لهذه الخطوط قدرة لا تستطيع تجاوزها. وتطوير هذه الخطوط مكلف من جهة، ويحتاج إلى وقت يتجاوز وقت الأزمات. وقت الذروة في الاحتياج العالمي للنفط.
** لم يثبت أن المخاطر الأمنية عبر الأنابيب هل أقل وقت الأزمات البينية، أو الدولية، أو خارج وقت الأزمات، وقد أدى تطور الأسلحة الى جعل الخطر يحيط بهذه الأنابيب في كل حين. والإضرار بهذه الخطوط لا يحتاج الى كثير جهد.
** ثم إن ملاحظة أن نفط الخليج عبر مضيق هرمز يذهب بنسبة 80% الى الأسواق الآسيوية: الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، فهذا يعني أن مضيق هرمز يكاد يمسك باقتصاد هذه الدول، وهي ذات وزن كبير ومتصاعد في الاقتصاد العالمي.
ولأننا نتحدث عن النفط الذي كان ولا يزال وسيبقى عماد الطاقة والصناعة والتقدم والقوة في العالم، فإن امتلاك أي دولة أو جهة القدرة في السيطرة عليه إنتاجا، أو انتقالا، أو توظيفا، يعني امتلاك قدرة هائلة في التأثير على “الحدث العالمي”،
والسيطرة على “مضيق هرمز”، أو التحكم فيه يعني الانتقال إلى مستوى الفاعلية الحقيقية في السياسة والوضع الدولي.
مقال الباحث السويدي / العراقي يقدم الأدلة على هذه الحقيقة من زواياها المختلفة، وبالتالي يساهم في تبيان الخطأ والوهم والخديعة أيضا في كل ما يطرح عن طرق بديلة لمضيق هرمز.
مهم لأولي الشأن في دول المنطقة المتصلة بمضيق هرمز، والمتصلة بخطوط نقل النفط البرية ومنها سوريا إدراك هذه الحقائق، حتى لا تذهب وراء وهم أنها تستطيع أن تبني بدائل لمضيق هرمز.
ما نقوله ويؤكد عليه المقال لا يعني أبدا التقليل من أهمية خطوط نقل النفط البرية، في وقت الأمان، وفي وقت الاضطراب على السواء. وبالتأكيد لا يعني التوقف عن مثل هذه المشاريع المهمة جدا، لكنه يعني بالتحديد تجنب الوقوع في وهم “البديل”، لأن من شأن ذلك أن تقع هذه البلدان رهينة تلاعب الدول الكبرى بها، وتشتيت نظرها وجهدها عن الضرورة التي لا بديل لها والخاصة بضرورة أن توجد دول المنطقة فيما بينها سبل تحقيق الأمن والسلام والاستقرار دون الاعتماد على مظلات حماية دولية لم تثبت أي فعالية حقيقية لأمن وسلامة واستقرار المنطقة ودولها وثرواتها لا في الماضي ولا في الوقت الراهن.
د. مخلص الصيادي
**********************
كتب حسين عسكري:
آسيا لا تزال تمر عبر هرمز:
السبب الأول واضح ومباشر. فمضيق هرمز هو المنفذ الطبيعي لمنظومة الطاقة في الخليج. ففي عام 2024، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. وتصفه وكالة الطاقة الدولية (IEA) بأنه أحد أهم نقاط اختناق عبور النفط في العالم. ومعظم هذا النفط لا يتجه غرباً. إذ إن نحو 80 في المئة من النفط الذي يمر عبر هرمز يتجه إلى آسيا، حيث تُعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الاقتصادات الآسيوية المشترين الرئيسيين. ويبدو هذا النمط أكثر وضوحاً بالنسبة للغاز الطبيعي المسال (LNG). وقدّرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن 83 في المئة من الغاز الطبيعي المسال الذي مر عبر هرمز في عام 2024 انتقل من مصدّري الخليج الفارسي إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند وكوريا الجنوبية. وتكتسب هذه الحقيقة السوقية أهمية كبيرة لأن العديد من البدائل المقترحة توجّه النفط بعيداً عن زبائنه الرئيسيين. فقد تبدو خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر المتوسط أو البحر الأحمر أو المشرق مفيدة على الخريطة، لكنها في كثير من الأحيان تنقل الخام الخليجي إلى مسافة أبعد من آسيا بدلاً من تقريبه منها. ومن الناحية التجارية، فإن بناء بنية تحتية بمليارات الدولارات لنقل النفط غرباً، ثم إعادة شحنه بحراً نحو الأسواق الآسيوية، يعد خياراً غير فعّال. فإذا كان هرمز مفتوحاً، يبقى المسار المباشر أقل كلفة وأسرع. أما إذا أُغلق بسبب الحرب، فإن المشكلة الأساسية ليست نقص خطوط الأنابيب، بل انهيار الأمن الإقليمي.
مسارات قديمة وخلافات لم تُحل:
توضح خيارات خطوط الأنابيب القديمة هذه النقطة. فقد كان خط أنابيب كركوك–بانياس ينقل النفط العراقي عبر سوريا إلى البحر المتوسط. وشُيّد في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وكان يتمتع بقيمة استراتيجية حقيقية في ذلك الوقت، لكنه بقي متوقفاً إلى حد كبير منذ تعرضه لأضرار خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وتدعم واشنطن حالياً جهود إحياء هذا المسار، ومن المتوقع أن تؤدي شركات أميركية دوراً فيه. ومع ذلك، لا يزال المشروع يحتاج إلى إعادة إعمار واسعة وسنوات من العمل قبل أن يوفر طاقة تصديرية ذات جدوى. وتصل تقديرات الكلفة اللازمة لإعادة تأهيله بالكامل وتوسيعه إلى نحو 700 ألف برميل يومياً إلى ما يصل إلى 8 مليارات دولار. ولذلك، لا يمكنه٧ معالجة أزمة فورية في هرمز، وإذا استُعيد السلام الإقليمي قبل اكتماله، فإن المبرر التجاري لإحيائه سيتراجع بصورة حادة.
ويواجه خط أنابيب العراق–تركيا مشكلة مختلفة، لكنها لا تقل خطورة، وهي السياسة. فقد تعرض المسار الممتد عبر إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط لانقطاعات متكررة بسبب الخلافات بين بغداد وحكومة إقليم كردستان وأنقرة وشركات النفط الدولية. وأدى قرار تحكيم صدر عام 2023 ضد تركيا بسبب صادرات النفط الكردية غير المصرح بها إلى إغلاق استمر عامين ونصف العام. واستؤنفت التدفقات في أيلول/سبتمبر 2025 واستمرت الصادرات، إلا أن المسار لا يزال يعتمد على اتفاقات هشة بشأن العقود والمدفوعات والسلطة الاتحادية وتقاسم الإيرادات. وتحول محدودية طاقته الاستيعابية وهشاشته السياسية دون تحوله إلى بديل هيكلي لممر بحري ينقل عادة جزءاً ضخماً من النفط المنقول بحراً في العالم.
ويُعد خط الأنابيب العراقي في السعودية، المعروف باسم IPSA، مثالاً آخر على الحنين الاستراتيجي. فقد بُني في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية–الإيرانية، وصُمم لنقل الخام العراقي من منطقة البصرة إلى البحر الأحمر. لكنه توقف عن العمل بعد غزو العراق للكويت عام 1990، وصادرت السعودية الخط عام 2001. وبالتالي فإن إعادة تشغيله ستتطلب تسوية سياسية سعودية–عراقية بشأن الملكية والسيطرة، إضافة إلى تقييم تقني شامل بعد عقود من التوقف.
أما خط أنابيب البصرة–العقبة المقترح، فهو أكثر إثارة للجدل. ويتمثل هدفه المعلن في نقل النفط العراقي من جنوب العراق إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، متجاوزاً هرمز. لكنه واجه اعتراضات واسعة داخل العراق بسبب كلفته المتوقعة، وغموض تمويله، والقيمة الاستراتيجية المشكوك فيها.
ونظراً لأن جزءاً كبيراً من النفط العراقي يُباع لزبائن آسيويين، فإن نقله غرباً إلى العقبة سيضيف مسافة وتعقيداً بدلاً من معالجة المشكلة الأساسية المتعلقة بالسوق. كما أن خط الأنابيب سيقرّب الصادرات العراقية من منطقة أخرى تعاني عدم الاستقرار، بما في ذلك المجال العسكري الإسرائيلي والبيئة الأمنية الأوسع في البحر الأحمر.
إن مساراً التفافياً يستبدل خطراً أمنياً بآخر لا يمثل حلاً. كما أن الضغوط المالية الشديدة التي يعانيها العراق تجعل بغداد في وضع غير مناسب لتمويل مشروع بهذه الكلفة، بينما من غير المرجح أن يقبل المستثمرون الدوليون به من دون ضمانات سياسية وأمنية قوية.
مسارات التفافية ضمن مدى الصواريخ:
تُعد المسارات الالتفافية السعودية والإماراتية القائمة أكثر مصداقية، لكنها تظل محدودة. فخط الأنابيب السعودي شرق–غرب، أو بترولاين (Petroline)، ينقل النفط الخام من المنطقة النفطية الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر. أما خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام، فينقل النفط من حبشان إلى الفجيرة على خليج عُمان. وتقلل هذه الأنظمة من الاعتماد على مضيق هرمز بالنسبة إلى السعودية والإمارات، وأصبحت أصولاً مهمة لأمن الطاقة الوطني في البلدين. لكنها لا تستطيع أن تحل محل المضيق بالنسبة إلى المنطقة ككل. فهي لا تقدم فائدة تُذكر للكويت أو قطر أو البحرين أو إيران أو لمعظم صادرات العراق، كما أنها لا تعالج مشكلة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما اعتماد قطر على هرمز.
وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الطاقة الفائضة المتاحة في خطوط الأنابيب لتجاوز المضيق تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً فقط. كما أن ينبع والفجيرة ليستا بمنأى عن الهجمات؛ فقد أظهر الصراع الإقليمي بالفعل هشاشة الموانئ وناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة. ولهذا السبب، فإن الجدل حول خطوط الأنابيب البديلة يُعد مضللاً. فهو يتعامل مع إغلاق مضيق هرمز باعتباره لغزاً لوجستياً، في حين أنه في الأساس أزمة سياسية وأمنية. فإذا ظل خليج فارس منطقة عسكرية مضطربة، فلن تتمكن أي شبكة من خطوط الأنابيب من حماية الصادرات بصورة كاملة. إذ تمر خطوط الأنابيب عبر أراضٍ معرضة للمخاطر، وتعتمد على اتفاقات سياسية، وتنتهي في موانئ يمكن تهديدها أيضاً. أما إذا تحسن أمن الخليج، فمن المرجح جداً أن يُعاد فتح هرمز، لأن ذلك يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين الآسيويين على حد سواء. وعندما يحدث ذلك، فإن المبرر التجاري للعديد من خطوط الأنابيب البديلة سيتلاشى. فلماذا تُنفق عشرات المليارات من الدولارات لتكرار مسار طبيعي يتمتع بطاقة استيعابية لا تضاهى ووصول مباشر إلى المشترين الرئيسيين؟.. والاستنتاج الأكثر واقعية هو أن خطوط الأنابيب البديلة توفر قدراً محدوداً من المرونة لبعض الدول، لكنها ليست بديلاً استراتيجياً عن هرمز. فهي مشاريع مكلفة، وبطيئة، وهشة سياسياً، وغير فعالة جغرافياً، وفي بعض الحالات تصبح متقادمة حتى قبل بدء بنائها.
إن الحل الحقيقي للأزمة يتمثل في ترتيب أمني يضمن بقاء خليج فارس مفتوحاً، ويمنع الهجمات على الملاحة، ويعيد حركة التجارة الطبيعية عبر المضيق. وفي ظل مثل هذا الترتيب، سيستمر تدفق النفط والغاز الطبيعي المسال بصورة رئيسية إلى آسيا عبر المسار الأكثر مباشرة والأقل كلفة. وسيظل مضيق هرمز لا غنى عنه، في حين لن تكون بدائل خطوط الأنابيب الضخمة سوى وثائق تأمين باهظة الثمن ضد أزمة لا يمكن حلها إلا عبر الدبلوماسية والسلام الإقليمي.))


