أعاد القرار الكولومبي، المعلن في 10 الجاري، الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي في الشرق الأوسط. وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي في مواجهة موقف دولي وأممي مستقر يعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة، فيما لم يكن الاعتراف الرسمي بسيادة إسرائيل عليه قائماً، قبل القرار الكولومبي، إلا من جانب الولايات المتحدة منذ عام 2019. وقد سارعت سوريا ودول عربية إلى رفض القرار واعتباره مخالفاً للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، ولا سيما قرار مجلس الأمن 497 لعام 1981.[1]
وتطرح هذه الواقعة سؤالاً قانونياً مركزياً: هل تملك دولة ثالثة، بموجب قرار سياسي منفرد، أن تمنح أثراً قانونياً دولياً لضم إقليم جرى الاستيلاء عليه بالقوة؟
مبدأ عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة
يقوم النظام القانوني الدولي المعاصر على قاعدة أساسية مفادها عدم جواز استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول. وقد كرّس ميثاق الأمم المتحدة هذه القاعدة في المادة 2/4، التي تلزم الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها بما يمس السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.[2]
ومن هذه القاعدة تطور مبدأ أكثر تحديداً، هو عدم جواز اكتساب الإقليم نتيجة استخدام القوة. ولا يُنظر إلى الاحتلال العسكري، من حيث الأصل، باعتباره ناقلاً للسيادة. فالاحتلال ينشئ وضعاً واقعياً مؤقتاً يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني، لكنه لا يمنح الدولة القائمة بالاحتلال حقاً في ضم الإقليم أو تغيير صفته القانونية بصورة أحادية.
وبالتالي، فإن السيطرة الفعلية على الإقليم لا تساوي، في القانون الدولي، السيادة القانونية عليه.
الوضع القانوني للجولان وقرار مجلس الأمن 497
احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان السورية خلال حرب عام 1967، ثم اتخذت عام 1981 إجراءات تشريعية وإدارية هدفت إلى تطبيق قوانينها وإدارتها على المنطقة.
وقد جاء رد مجلس الأمن واضحاً في القرار 497 الصادر بالإجماع في 17 كانون الأول 1981. فقد اعتبر المجلس أن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطل ولاغٍ ومن دون أثر قانوني دولي، وطالب إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، بأن تلغي قرارها فوراً.[3]
وتكمن أهمية القرار في أنه لا يكتفي بوصف الوضع بأنه احتلال، بل يرفض تحديداً إنتاج أثر قانوني دولي من خلال التدابير الأحادية الرامية إلى تغيير الوضع الإقليمي.
وعليه، فإن محاولة تحويل الاحتلال إلى سيادة، ولو من خلال تشريع داخلي أو إعلان سياسي، لا تؤدي بذاتها إلى نقل السيادة وفقاً للقانون الدولي.
هل يجوز للدول الأخرى الاعتراف بالضم؟
هنا تظهر المسألة الأكثر دقة في الحالة الكولومبية. فالاعتراف في القانون الدولي هو عمل تقوم به الدولة تجاه وضع أو كيان أو حق تدّعي دولة أخرى وجوده. إلا أن حرية الدول في الاعتراف ليست مطلقة عندما يتعلق الأمر بوضع نشأ عن انتهاك قاعدة آمرة أو قاعدة أساسية في النظام الدولي.
فإذا كان ضم إقليم نتيجة استخدام القوة مخالفاً للقانون الدولي، فإن الاعتراف بهذا الضم لا يحوّل الوضع غير المشروع إلى وضع مشروع. بل يمكن أن يثير مسألة واجب عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع، وواجب عدم تقديم المساعدة في تكريسه.
وهذا المنطق يتفق مع التطور الحديث للقانون الدولي، ولا سيما ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
موقف محكمة العدل الدولية
في رأيها الاستشاري لعام 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن إسرائيل لا تملك، بسبب الاحتلال، حق السيادة أو ممارسة الصلاحيات السيادية في أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن المخاوف الأمنية لا يمكن أن تتغلب على مبدأ حظر اكتساب الأراضي بالقوة.[4]
ورغم أن الرأي الاستشاري يتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة وليس بالجولان السوري مباشرة، فإن أهميته القانونية بالنسبة إلى الحالة محل البحث تكمن في المبدأ العام الذي كرسته المحكمة: الاحتلال لا ينشئ بذاته حقاً في السيادة، كما أن الاعتبارات الأمنية لا تزيل الحظر الأساسي المتعلق باكتساب الأراضي بالقوة.
وهذا المبدأ ليس جديداً تماماً في اجتهاد المحكمة، فقد سبق لها أن تناولت آثار الاحتلال وتغيير الوضع الإقليمي في رأيها الاستشاري لعام 2004 بشأن الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة.[5]
وبالتالي، يمكن الاستناد إلى هذا الاجتهاد لتفسير القاعدة العامة، مع ضرورة عدم الخلط بين الجولان والأرض الفلسطينية المحتلة من حيث النظام القانوني الخاص بكل منهما.
الاحتلال لا يساوي السيادة
القانون الدولي الإنساني، ولا سيما قواعد لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يتعامل مع الاحتلال باعتباره وضعاً قانونياً مؤقتاً ينشأ عندما تصبح أرض دولة ما تحت السلطة الفعلية لقوة معادية. والقاعدة الجوهرية هنا هي أن سلطة الاحتلال لا تملك، لمجرد سيطرتها العسكرية، أن تتعامل مع الإقليم المحتل باعتباره جزءاً من إقليمها الوطني.
ومن ثم، فإن استمرار السيطرة لعقود لا يحوّل الاحتلال تلقائياً إلى سيادة. وطول مدة الاحتلال لا يُسقط القاعدة التي تمنع اكتساب الإقليم بالقوة. وهذه النقطة بالذات تجعل الاعتراف الكولومبي محل إشكال قانوني. فالاعتراف السياسي قد يعكس موقف دولة، لكنه لا يستطيع، في ذاته، تعديل المركز القانوني لإقليم تحدده قواعد دولية وقرارات صادرة عن أجهزة الأمم المتحدة المختصة.
حدود الاعتراف الكولومبي وآثاره القانونية
من الناحية القانونية، يمكن وصف الخطوة الكولومبية بأنها موقف دولة أحادي الجانب لا يملك بذاته تعديل الوضع القانوني الدولي للجولان. فلا توجد قاعدة تجعل اعتراف دولة واحدة، أو حتى مجموعة من الدول، كافياً لنقل السيادة على إقليم محتل إذا كان أصل الادعاء بالسيادة قائماً على استخدام القوة ومخالفاً لقاعدة دولية أساسية.
كما أن قرار مجلس الأمن 497 لا يزال يمثل عنصراً مركزياً في تحديد الموقف الدولي من محاولة ضم الجولان. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت كولومبيا “تعترف” بالسيادة الإسرائيلية، بل بما إذا كان هذا الاعتراف يمكن أن ينتج أثراً قانونياً دولياً في مواجهة المركز القانوني القائم للإقليم. والجواب، وفق المبادئ المشار إليها، يميل بوضوح إلى النفي.
ختاماً، تكشف قضية الجولان مجدداً التوتر القائم بين الواقع السياسي والقانون الدولي. فقد تستطيع دولة أن تعلن اعترافها بوضع إقليمي معين، وقد تستطيع دولة أخرى أن تؤيد هذا الموقف، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المركز القانوني للإقليم قد تغير.
فالقاعدة الأساسية التي تحكم المسألة هي أن القوة لا تنشئ حقاً في السيادة، وأن الاحتلال لا يتحول بمجرد مرور الزمن إلى ملكية إقليمية، وأن التدابير الأحادية الرامية إلى ضم الأراضي المحتلة لا تنتج، وفق قرارات الأمم المتحدة والمبادئ التي أكدت عليها محكمة العدل الدولية، أثراً قانونياً مشروعاً.
ومن هذه الزاوية، فإن الاعتراف الكولومبي لا يمثل مجرد خلاف دبلوماسي بين كولومبيا وسوريا، بل يطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمستقبل قاعدة أساسية في النظام الدولي: إذا أمكن تحويل السيطرة العسكرية على إقليم إلى سيادة معترف بها من خلال مواقف سياسية منفردة، فما الذي يبقى من مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة؟
ولذلك، فإن الأهمية القانونية الحقيقية للواقعة لا تكمن فقط في الجولان، وإنما في اختبارها لقاعدة عامة تمس النظام الدولي بأسره: لا يجوز أن تتحول المخالفة الدولية إلى حق لمجرد مرور الزمن أو بسبب اعتراف سياسي منفرد.
الحواشي والمراجع القانونية
[1] مجلس الأمن، القرار رقم 497 (1981)، الصادر بالإجماع في 17 كانون الأول 1981، بشأن الجولان السوري المحتل.
[2] ميثاق الأمم المتحدة، المادة 2/4، التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
[3] مجلس الأمن، القرار 497 (1981)، الذي اعتبر فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطلاً ولاغياً ومن دون أثر قانوني دولي.
[4] محكمة العدل الدولية، Legal Consequences arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, رأي استشاري، 19 تموز 2024؛ وقد أكدت المحكمة عدم أحقية إسرائيل في السيادة على أجزاء الأرض الفلسطينية المحتلة بسبب الاحتلال، وعدم إمكان تجاوز حظر اكتساب الإقليم بالقوة بدعوى الاعتبارات الأمنية.
[5] محكمة العدل الدولية، Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory, رأي استشاري، 9 تموز 2004.
[6] اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، ولا سيما الأحكام المتعلقة بحماية السكان في الأراضي المحتلة؛ وتُقرأ هذه القواعد في إطار مبدأ عدم اكتساب القوة المحتلة للسيادة على الإقليم المحتل.
[7] Hague Regulations Respecting the Laws and Customs of War on Land, 1907، ولا سيما الأحكام المتعلقة بوضع الأراضي الواقعة تحت الاحتلال العسكري.
[8] الأمم المتحدة، موقف أجهزة المنظمة الدولية من الجولان، بما في ذلك القرارات التي تؤكد استمرار اعتبار الجولان أرضاً سورية محتلة وعدم الاعتراف بالإجراءات الهادفة إلى تغيير وضعه القانوني.


