الأربعاء، 12 أغسطس 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

تعليقا على مقال نجم الدين الخريط الأمين العام للحزب الشيوعي السوري

في صحيفة الحزب "النور" العدد ١٢٠٩ تاريخ ٥ / ٨ / ٢٠٢٦ والذي جاء تحت عنوان: "سورية كم كانت متطورة" يشيد فيه بالحياة السياسية الديموقراطية في سوريا قبل الوحدة السورية المصرية.

لا شك بأن الحياة الديموقراطية أساس للحياة السياسية السليمة، ونحن في سورية بحاجة ماسة للنظام الديموقراطي من أجل إعادة الناس الى السياسة، ولتوفير قاعدة ثقة الناس في آليات عمل السلطة، وتوفير قاعدة الأمان والسلم الاجتماعي.
هذا شرط لبناء مستقبل مستقر لسورية، والظواهر الكثيرة جدا التي يمكن رصدها منذ تسلم القوى التي أطاحت بالنظام الأسدي البائد لا تدل على الاتجاه نحو نظام ديموقراطي يتضمن:تعدد حزبي، وحرية صحافة، وتداول سلطة، وشفافية ورقابة شعبية، ومن هنا فإن التشديد على الديموقراطية يصبح واجبا وطنيا حاضرا بقوة.
بعد توكيد هذه الحقيقة، والتزامها في عملنا وبرامجنا، لا بد من تصحيح بعض الحيثيات التي أتى عليها المقال:
** ليس صحيحا أن سورية كانت قبل الوحدة متطورة سياسيا وديموقراطيا، فالحديث عن الديموقراطية لا يعني تعدد الأحزاب. وإنما يعني تمكن التعددية السياسية من السلطة، وهذا لم يتوفر في الحياة السياسية السورية في ذلك الوقت، كان التعدد السياسي قشرة خارجية، أما القوة الرئيسية فقد كانت بيد الجيش، وكانت الأحزاب الموقنة بهذه الحقيقة الواقعية تستند إلى “كتلتها العسكرية”، يصح هذا على معظم الأحزاب: البعث، القومي السوري، الحزب الشيوعي، الأحزاب الوطنية اليمينية. وبسبب هذه الحقيقة انتفت حالة الاستقرار عن الحياة السياسية السورية، من الاستقلال وحتى الوحدة وولادة الجمهورية العربية المتحدة.
الانقلاب الأول في سوريا كان في مارس ١٩٤٩ قادة حسني الزعيم. ثم توالت الانقلابات، لتسجل أربعة انقلابات حتى العام ١٩٥٤ قبل انجاز الوحدة.
** لم يقع انقلاب في سورية إلا وكان في ظله حزب سياسي سوري واحد أو أكثر، بغض النظر عن تصنيف هذا الحزب يساري أو قومي أو يميني..الخ.
انقلاب الزعيم أيده: البعث، القومي السوري الاجتماعي، العربي الاشتراكي “الحوراني”، حزب الشعب..الخ،
وانقلاب الحناوي على الزعيم أيدته أيضا هذه الأحزاب وأحزاب أخرى، وانقلاب الشيشكلي الأول الثاني، وهكذا،
إن هذا السجل ينفي التوصيف الذي قدمه “الخريط” للحياة السياسية في تلك المرحلة.
هذه الحقيقة أوصلت معظم القوى السياسية في سورية ولأسباب عدة إلى نتيجة مفادها أن الحياة السياسية الحزبية لم تكن تقدم نموذجا يمكن التمسك به.
** ليس صحيحا أن عبد الناصر فرض حل الأحزاب في سورية، كان الحديث عن الحياة السياسية في مفاوضات دولة الوحدة تحيط به ظاهرتان:
الأولى: أن القوى التي ذهبت إلى القاهرة لتفاوض من أجل الوحدة، وهي تمثل قوى حزبية وتكتلات سياسية تعلم تماما أن التجربة الحزبية في سورية غير إيجابية، لذلك لم يتم الدفاع عنها خلال محادثات الوحدة. بل إن بعض قادة هذه الأحزاب “البعث” كتب معتبرا أن الاتفاق على حل الأحزاب جاء ك “مركب نجاة” لهذه الأحزاب من مآزقها الذاتية، ولعل ما يؤكد ذلك، أنها بعد انتهاء دولة الوحدة بالانفصال الذي فرضه “انقلاب عسكري” واجه الشعبَ الرافضَ بالرصاص والقتل والإرعاب.
لم تقدم كل هذه الأحزاب لا في فترة الانفصال اليميني، ولا البعثي، أي تجربة أو ملمح إيجابي للعمل السياسي التعددي في سورية، حتى ليمكن اعتبار أن الخلاصة العامة التي تشير إلى أن حل تلك الأحزاب جاء خلاصا لها من مآزقها، خلاصة واقعية.
والثانية: أن مصر كانت قد بدأت تجربة سياسية تقوم على فكرة الحشد لمجموع الشعب، بعد قرار حل الأحزاب، وبالتالي جاء موقف عبد الناصر في طلب حل الأحزاب في سورية تعبيرا عن ضرورة أن يكون هناك انسجام في الحياة السياسية في إقليمي الجمهورية العربية المتحدة، وتقديم تجربة سياسية واحدة في البلدين، ولا يعرف أن أحدا من المفاوضين في الجانب السوري رفض وجهة النظر هذه، لذلك لا يصح القول إن عبد الناصر فرض حل الأحزاب.
** لم يكن موقف الحزب الشيوعي السوري من الوحدة مجرد رفض لقرار حل الأحزاب، وإنما تعبيراً عن “رفض الوحدة ذاتها”، وقد أظهرت الوثائق والكلمات التي تداولتها مؤتمرات الحزب الشيوعي في أزمته الرئيسية التي أدت إلى انشقاقه مطلع السبعينات تكشف هذه الحقيقة، وتبين الدوافع الحقيقية للنقاط التي طرحها الحزب في بيان موقفه من الوحدة، فقد كانت باعتراف قادته مجرد غطاء للموقف الأصلي المعادي لفكرة الوحدة. وقد نشرت جميع هذه الكلمات والوثائق في كتاب ” قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري”، وهنا لا يعود هناك معنى لتكرار المعزوفة السابقة بشأن موقف الحزب الشيوعي من الوحدة
** الموقف من الحزب الشيوعي السوري لم يكن بسبب موقفه من الوحدة فقط، وإنما كذلك بسبب دعمه للمسلك الشيوعي في العراق، والذي ارتكب جرائم وقام بتصفيات قتلا وسحلا في الشوارع والساحات للقوى القومية العراق التي كانت ترفض موقف عبد الكريم قاسم من التوجه الشعبي للانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة.
وتصوير الوضع الأمني الداخلي في سورية بأنه كان وضعا إرعابيا غير حقيقي، كانت هناك مجموعتين تصدى لهما الأمن السوري لموقفهما من الوحدة، والتحرك للتآمر عليها وهما: البعث، والشيوعيون، ولا شك أن تجاوزات وقعت من قبل أجهزة الأمن. لكن ليس بالشكل الذي ما برح الشيوعيون والبعثيون يتحدثون عنه.
ولكن التجاوزات التي ندينها – نحن المدافعين عن الوحدة والمنتصرين للقيادة الناصرية – ندينها بشدة. وندعو للتحقيق فيها، – وخصوصا في ملف “فرج الله الحلو” الذي تحيط به وبالمسؤولية عنه ملابسات عديدة – لا تساوي شيئا إذا قيست بما كان يحدث في الأنظمة العربية الأخرى الجمهورية والملكية في المرحلةذاتها ، وطبعا لا تعني شيئا إذا قيست بما عاناه شعبنا وقواه السياسية تحت حكم البعث، وحلفائه في سورية.
** يجب استحضار حقيقة أن الحزب الشيوعي السوري، والذي كان على رأسه خالد بكداش كان الحليف الراسخ للنظام البعثي منذ أن تآمر هذا النظام على القوى الوحدوية التي ساهمت في حركة ٨ آذار ١٩٦٣ ،بهدف إعادة الوحدة واستأثر بالحكم وأقام نظاما استبداديا وظف من خلاله القوى المتحالفة معه لخدمة أغراضه.
وتعزز هذا التحالف الشيوعي مع البعث فترة إثر أخرى، كلما توغل البعث في المسلك الاستبدادي الفاسد، ومن ثم الطائفي والإرهابي،
وقد رد النظام البعثي على هذا الموقف من بكداش، بالوقوف الى جانبه واعتماد زعامته مطلع السبعينات، والتنكيل بالشيوعيين الذين عارضوه، وعملوا ضده.
وشاركه في هذا التحالف مع النظام البعثي، الحزب القومي السوري الاجتماعي.
نحن نقدر ونعتز بموقف القادة والكوادر ومنتسبي الحزب الشيوعي الذين ثاروا على نهج القيادة الاستبدادي التي مثلها خالد بكداش، وانحازوا إلى جانب نضالات الشعب السوري وقواه الشعبية، وإلى جانب قضايا الشعب السوري وفي المقدمة منها الوحدة، وفلسطين، والديموقراطية، ودفعوا ثمنا باهظا.
إن تعظيم تلك “الديموقراطية السورية”، في المرحلة بين الاستقلال والوحدة، تستبطن عملية خداع لا يجوز الوقوع فيها، ليس لأنها تزور التاريخ، وإنما أيضا لأنها تكشف عن افتقاد الجدية في النظر إلى المستقبل. وهي الجدية اللازمة، والقادرة على بنائه.
إذا كنا حقا أمام فرصة، أو محاولة، أو تجربة، لبناء حياة سياسية سليمة وفاعلة في سورية فيجب أن يكون موقفنا من التاريخ / الماضي صحيحا وحاسما، وليكون بالتالي توجهنا إلى المستقبل واضحا وحاسما أيضا، من وجهة نظرنا سورية تستأهل نظاما سياسيا قائما على المفهوم الديموقراطي بأبعاده التامة:
** التعددية السياسية التي تتجلى من خلال قانون للأحزاب، يعرفها ويحدد حقوقها وواجباتها.
** التحديد الواضح بين الفصل بين السلطات الأربع وبين نقاط الاتصال بينها.
** تداول حقيقي للسلطة على أساس البرامج السياسية المطروحة والتي يحسم فيها الجمهور عبر صناديق الاقتراع.
** الشفافية الحقيقية التي تمكن المواطن والقوى السياسية من اتخاذ القرار الصحيح المستند عل المعلومات الصحيحة.
** تعزيز منظمات المجتمع المدني وجعلها حارسة الى جانب القضاء لقيم الديموقراطية وحقوق المواطنة الحقة.
**وأن يكون هذا النظام برمته محروسا بدستور يعبر عن هويته وتطلعه، يقره الشعب بكامل حريته ووعيه.
واحتياج سوريا لمثل هذا النظام يستأهل أن يجتمع لأجله كل القوى السورية التي تؤمن بحق السوريين بعد كل الحقبة السوداء والمدمرة التي مروا بها العيش في ظلاله. وأن تناضل معا من أجل بناء وتثبيت نظام حكم ديموقراطي عادل وآمن ومستقر

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لأنه يدعم القضية الفلسطينية حرموه من عقود عمل ...حكاية بكل رياضي عالمي

كثيرون هم الرياضيون في العالم  الذين يدعمون القضية الفلسطينية شأنهم شأن فنانين كبار في العديد من الدول ولا سيما أوروبا وأمريكا. لكن الرياضي الروسي المسلم حبيب نور محمدوف بطل...

استسلام لا سلام، و تفويض لا تفاوض

«وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ». السيد  المسيح في يوحنا 8:32   الجهل والتجاهل لايغيرا حقيقة الأوضاع على الواقع . ومن لا يقرأ التاريخ لادور له في مسيرته ....

من "السنين العجاف" إلى "السنين السمان"... طريق لبنان للخلاص

تعلّمنا من قصة يوسف عليه السلام أن بعد “سبع سنين عجاف” تأتي “سبع سنين سمان” إذا توفرت الرؤية والإدارة. ولبنان اليوم يقف على مفترق طريق بين استنزاف العجاف،...

‏ماذا يعني تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني؟

‏ببساطة، نحن أمام انتقال إضافي لمركز الثقل في صناعة القرار الإيراني نحو المدرسة العسكرية والحرس الثوري، وهذا التعيين له دلالة خاصة جداً عندما يتعلق الأمر بالملف النووي. ‏رضائي ليس...

رأي خارج الصندوق: مضيق هرمز… هل كان الخطر مجهولًا أم محسوبًا؟

حين ننظر اليوم إلى مضيق هرمز وقد تحول إلى واحدة من أقوى أوراق الضغط الإيرانية، يمكن أن نقول ببساطة: أخطأت واشنطن الحساب. لكن قبل أن نقبل بهذا التفسير، هناك واقعة تستحق التوقف...

رحم الله الـ1500 ليرة… يوم كان للراتب قيمة وللموظف كرامة

رحم الله أيامًا كان فيها الدولار 1500 ليرة، وكان الموظف اللبناني، رغم محدودية راتبه، يستطيع أن يعيش بقدرٍ من الكرامة، ويدفع فاتورته، ويؤمّن حاجاته، ويخطّط ليومه التالي من دون أن...