السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

المواجهة الإيرانية - الصهيونية

كيف انتصر هدهد نصر الله؟ وماهو اثر دخول الولايات المتحدة المباشر في الحرب؟ وكيف ستؤثر هذه الاحداث على الامة العربية؟

ابتداءًوقبل الخوض في موضوع المقالة هناك نقطتان أساسيتان يجب تثبيتهما قبل الحديث عن ما يجري: الاولى ان التمادي الاسرائيلي لم يكن ليصل إلى هذه الدرجة من الاستهتار والبلطجة لو ان مبدا (وحدة الساحات) قد طُبق كما اتُفقَ عليه قبل انطلاق عملية طوفان الاقصى المباركة. واذكر اني كتبت انذاك بان غزة او المقاومة يجب ان لا تترك لوحدها، وان الفرصة اصبحت مؤاتية لإعادة دولة الاحتلال إلى حجمها الطبيعي، الذي منحه إياها قرار التقسيم الذي مرر في الامم المتحدة في غفلة من الزمن، وبمؤامرة دولية مبيتة قادتها بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وفرنسا ودول اوروبا قاطبة. ولكن التردد مكن الاحتلال من اتباع كل الوسائل الهمجية ومجازر غير مسبوقة، والاهم منحه الفرصة للاستفراد بكل طرف لوحده، و لا يوجد حاجة لتوضيح ذلك.
ثانيا ان ايران، وعلى الرغم من الضربة التي تلقتها في البداية، والتي أعطت الكيان المحتل الشعور بانه حقق نصرا معنويا وعسكريا وسياسيا كبيرا، استطاعت في اقل من 15 ساعة ان ترد على العدوان بطريقة لم تتوقعها “إسرائيل”، ومعها كل المشككين بقدرات ايران. وربما كان هذا الرد القوي هو ما دفع الرئيس ترامب، الذي حاول ان يلعب دور المحايد، إلى الكشف عن نياته الحقيقية عندما حرك حاملة الطائرات “نيمتز” من بحر الصين، لتنضم إلى الحاملات الأخرى في الشرق الأوسط، ثم توج ذلك بطلب غريب ومفاجئ وجهه إلى سكنة طهران ،يامرهم بمغادرة المدينة ومن دون مقدمات (كما طلب افراغ غزة من اهلها سابقا)، ثم غادر اجتماع مجموعة السبعة في كندا قبل نهايته عائدا إلى واشنطن، وارفق ذلك بطلب اجتماع لمجلس الامن القومي، ثم توج ذلك بإرسال القاذفات الأمريكية بعيدة المدى والتي تحمل اكثر القنابل تدميرا لتدك المواقع الإيرانية، ولينقذ إسرائيل من ورطة كبيرة أوقعت نفسها فيها.
في تحليل لما جرى يبدو ان إسرائيل وبعد ان فشلت في ايقاف الصواريخ القادمة من اليمن، إضافة إلى الفشل في السيطرة على المقاومة في غزة، قد توصلت إلى نتيجة مفادها ان كل هذه التحركات المقلقة لها، لا يمكن ان تنتهي إلا بتحييد الدور الإيراني، الداعم الأساسي لكل حركات المقاومة للاحتلال. استغلال مسالة النووي الإيراني كان الحجة التي استخدمها نتنياهو لكي يبرر الهجوم على ايران وتحشيد الدعم الأمريكي والغربي له، لكن الهدف الحقيقي لما خطط له يبقى اسقاط النظام في ايران وتدمير كل القدرات الصاروخية والمسيرات، ما موجود منها والمعامل المنتجة لها. ويبدو ايضا ان المخابرات الاسرائيلية التي تمكنت من التغلغل في الداخل الإيراني، والمعتمدة على مثيلتها في الولايات المتحدة، قد استطاعت ان تجمع معلومات كثيرة وكبيرة وموثقة عن الداخل الإيراني، بل وان تخلق لها وجودا على الأراضي الإيرانية ايضا، وهو ما مكنها من توجيه الضربة الكبيرة والموجعة للقيادات الإيرانية العسكرية والعلماء في المجال النووي في الساعات الاولى. والنجاح الإسرائيلي الأكبر، (او الفشل الإيراني الأكبر)، هو ما يتعلق بعجز انظمة الدفاع الجوي الإيرانية. “إسرائيل” ادعت، منذ اكثر من عام، انها استطاعت ان تدمر منصات إطلاق الصواريخ المضادة للطائرات او نظام الدفاع الجوي، ثم اتضح ان هذا الادعاء كان فيه نوع من الصحة بدليل ان السيادة الجوية فوق ايران كانت كاملة للطيران الاسرائيلي. كما ظهر ان ايران لم تتمكن من اعادة بناء نظام دفاع جوي قادر على مواجهة هجمة الطيران الاسرائيلي والصواريخ بعيدة المدى والمسيرات التي طالت كل أراضيها، ناهيك عن عجزها بناء قوة جوية حديثة. كما ظهر ان “إسرائيل” تمكنت من تشكيل مجاميع صغيرة تابعة لها تقوم بتجميع المسيرات في داخل ايران والتجول بها في سيارات حمل صغيرة، وإطلاقها في المناطق المطلوبة. وهي الطريقة التي تمكنت من خلالها من استهداف القيادات العسكرية والعلماء، وكذلك العديد من منصات إطلاق الصواريخ ومناطق تصنيعها، وهذا كان خرق امني كبير وخطير. (بعد توقف الاقتتال، أعلنت ايران ان لديها معلومات عن وجود حوالي 1700 عنصر من الموساد او من المتعاونين معهم في مدنها، وانها استطاعت ان تلقي القبض على نصفهم ومعهم اجزاء من طائرات مسيرة).
بالمقابل استطاعت ايران، وفي وقت اعتقد الكثيرين بانها في طريقها إلى رفع الراية البيضاء والذهاب إلى التمزق والتفتت، ان تستعيد توازنها بصورة لا بد وان تثير الإعجاب، وان توجه، ضربات موجعة ودقيقة في داخل فلسطين المحتلة. (ويظهر، او بالتاكيد، ان فيديوهات الهدهد التي افتخر بها المظلوم السيد حسن نصر الله كانت الاساس في تأشير المناطق والمراكز الحساسة). لقد تمكنت الضربات الإيرانية خلال 12 يوما من احداث تدمير هائل داخل فلسطين المحتلة لم تحدثه كل الحروب العربية السابقة. والاهم ان التدمير لم يكن عشوائيا وانما طال مواقع حساسة عسكريا وتكنولوجيا ومراكز بحثية ومراكز قيادة.
هناك اسئلة عديدة لابد وان تثار الان لعكسها على ماهو قادم. الاول هو هل ان “اسرائيل” حقا قد تمكنت من تدمير ثلث القدرات الصاروخيّة الإيرانية او 40% منها؟ ( وهي تستشهد بانخفاض الصواريخ التي تم اطلاقها باتجاه الارض المحتلة؟). وهذه مسالة مهمة جدا بالنسبة لنتائج المواجهة. ولكن ايران تقول ان تخفيف الهجمات الصاروخية كان بسبب استخدام صواريخ حديثة أكثر فاعلية، وتاثير كل واحد منها يعادل ما يحدثه اكثر من عشرة صواريخ تقليدية، والدليل على ذلك هو التأثير التدميري الكبير الذي احدثته، وفشل قبب الدفاع الجوي الاسرائيلية في تعقبها او اسقاطها. وربما كانت هذه الحقيقة هي التي دعت نتنياهو ان يستنجد بالرئيس ترامب.
الثاني هو هل حقيقة ان “إسرائيل” تمكنت من امتلاك سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية؟ واقع الحال يعطي هذا الانطباع ولكن ما تدعيه تل ابيب لم يوقف الردود الإيرانية الكبيرة والمستمرة، وان ايران ظلت تملك افضلية في هذا المجال نظرا لسعة مساحتها مقارنة مع مساحة فلسطين المحتلة. السؤال الثالث والاهم هو كيف سيكون مصير هذه المواجهة بعد قرار الرئيس ترامب زج القدرات العسكرية الاميركية إلى جانب “إسرائيل” وضد ايران. طبعا يجب ان لا يغيب عن البال ان ترامب كان مشاركا بصورة مباشرة منذ لحظات الإعداد الاسرائيلي لهذا العدوان بطرق مختلفة واضحة، (تهديد ايران بضرورة رفع الراية البيضاء في مسالة المفاوضات حول النووي، والادعاء بانه منح ايران مهلة ستون يوما لفعل ذلك ،واتهم ايران بانها راوغت حتى انتهت المدة، ثم ساهم في تخدير ايران عندما قال انه لا يؤيد فكرة ان تقوم “اسرائيل” بضرب ايران، ثم زاد على ذلك بالقول انه لا توجد ضربة وشيكة، ثم جاء الهجوم الاسرائيلي في اليوم التالي، وتبجح نتنياهو بالدور الذي لعبه ترامب في عملية التضليل). الأخطر من ذلك ان الرئيس ترامب، وعندما وجد ان الرد الإيراني كان قويا ومؤثرا ومتصاعدا، وقد يضع الكيان المحتل في وضع حرج جدا، قرر الدخول مباشرة في المواجهة واتخذ الخطوات التي سبق ذكرها، ناهيك عن عمليات تسريع تسليم شحنات الأسلحة والقنابل الفتاكة “لإسرائيل” لكي تستخدمها في تدمير المراكز المحصنة تحت الارض.
الآن كل الأنظار تتجه إلى خطوة الرئيس الأمريكي القادمة ،التي قد ينتج عنها استئناف المغامرة الأمريكية مرة ثانية (على الرغم من مؤشرات تقول ان نتائج هكذا عمل قد لا تحمد عقباها) خصوصاً بعد ان كشفت تقارير استخبارية كثيرة ان الضربات الأمريكية الجوية لم تحدث التدمير الكامل الذي ادعاه الرئيس. كما ان هناك اشارات تقول ان سياسة الترهيب والتهديد التي يستخدمها الرئيس ترامب لن تنفع مع ايران اليوم، وعليه ان يجد حلا وسطا مقبولا في التفاوض حول الاتفاق النووي. ومثلما تراجع عن المواجهة مع اليمن فانه سيضطر لتخفيف اندفاعه ضد ايران. السؤال الاخر الاهم هو :هل ان الضربات الإيرانية الموجعة إذا ما استؤنفت (كرد على تهديدات تل ابيب وواشنطن) ستدفع “إسرائيل” إلى استخدام اسلحة غير تقليدية؟ ام ان الاطراف الخارجية المختلفة ستنجح في تحقيق اتفاق سريع سيمكن كل طرف ان يدعي الانتصار الكامل، ويبدو ان ايران و”إسرائيل” قد فعلا ذلك بعد الضربات الموجعة التي تلقاها الطرفان؟
مهما كانت النتائج فان الكيان المحتل قد تلقى ضربات لن ينساها، وشهد ظروفا وأوضاعا وتدميرا لم يكن يتصور انه سيشهدها، وانه تجرع ولأول مرة من نفس الكاس الذي كان يرغم من يتحداه ان يتجرعه. وان نتائج وانعكاسات ما حدث في فترة المواجهة (12 يوما) ستتوالى بعد ان سكتت المدافع، حتى وان ادعى نتنياهو الانتصار، الذي يعلم جيدا انه ادعاء زائف.
من ناحيتها فان ايران التي اعتقدت انها اصبحت سيدة المنطقة، خصوصاً بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وانها تستطيع ان تمتلك قدرات لم يُسمح لدول اخرى في المنطقة بامتلاكها، ستكون مقبلة على تحولات كبيرة قد لا يستطيع النظام الحالي التماشي معها. وانها ستكون محظوظة إذا ما تجنبت هزة داخلية لا تعرف نتائجها.
الخوف كل الخوف الان بالنسبة للامة العربية، التي لم تستطع لحد هذه اللحظة ان تقرر ما تريد. فالايام القادمة ستجعل نتنياهو، وبدعم من الولايات المتحدة والغرب، يتملكه شعور طاغ بانه قد انتصر ونجح في بناء شرق اوسط جديد ستكون “إسرائيل “على رأسه، وهذا الأمر إذا ماحصل فان الامة العربية ستدخل مرحلة سبات (هذه اخف كلمة يمكن ان تستخدم حتى لا يغضب البعض) وحده الله تعالى يعلم متى ستتمكن من الخروج منها. بصيص الامل الوحيد الذي قد يُفشِل كل مخططات نتنياهو والولايات المتحدة هو استمرار المقاومة في غزة والضفة واليمن.
هذا تحليل مبسط وشخصي وسريع لما حدث ويحدث واتمنى ان لا يُفهم على انه محاولة للترويج لافكار متشائمة او سوداوية.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...