الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حكايتي مع فلسطينيتي... شهادة للتاريخ

خلال تجوالي في العالم بجواز سفري الألماني، والذي أحمله منذ أكثر من أربعين عاماً، لم أواجه أي مشكلة سوى في دول عربية، لأن سلطات مطارات غالبية هذه الدول، كانت تصر على معرفة أصلي، رغم أنها قانونيا لا تمتلك الحق في معرفة أصول حامل جواز السفر، بل التعامل معه فقط كحامل جواز دولة أوروبية. في كل مرة كنت أسافر فيها إلى دولة عربية، أحسب ألف حساب، لسؤال قد يوجه لي من شرطة الجوازات حول أصلي، وكنت أفكر ألف مرة إذا كان بالإمكان ألقول إني من أصل فلسطيني، خشية من سماع جملة مشهورة : (فلسطيني؟ وقّف على جنب). والفلسطينيون لهم تجارب سيئة في مطارات الدول العربية، ويتم التعامل معهم في كثير من الأحيان بطريقة خالية من الانسانية، كونهم فلسطينّيون ليس أكثر.

علمنا التاريخ أن الجزائر بلد المليون شهيد، لكن الرئيس الراحل ياسر عرفات غيّر هذه المعلومة التاريخية في كلمته خلال انعقاد الدورة الثامنة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في شهر نوفمبر عام 1988(والتي شاركت فيها) بقوله، إن الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد، كرد جميل منه للجزائر، التي استضافت دورة المجلس الوطني.

وخلال زيارتي للجزائر عام 1990 حصلت معي واقعة لم أكن أتوقعها. سألني شرطي الجوازات عن أصلي، فتذكرت ما قاله الرئيس الراحل عرفات وتجرأت على الجهار بفلسطينيتي، لكن ذلك كله لم يردع الشرطي من القول لي: ” فلسطيني خليك على جنب” وحجز جواز سفري. وبعد طول انتظار مرّ من أمامي صدفة الملحق الصحفي الألماني، الذي كنت على معرفة سابقة به، فشرحت له ما حدث لي، فانزعج من هذا التصرف غير اللائق معي كمواطن ألماني وكصحفي، فذهب للضابط المسؤول وبدأ بنقاش حاد معه أسفر عن استعادة جواز سفري، ومن وقتها قررت أن لا أجاهر بفلسطينيتي لكي لا أقع في مأزق.

لكن ما حصل معي في العراق، الذي زرته مرات عديدة مختلف تماماً. ففي العام 2004 وبالضبط في الذكرى الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق، كنت موجودا في بغداد. وخلال تنقلاتي في العراق كنت ذات يوم في منطقة الأنبار، وقلت لمرافقي أن يوقف السيارة لكي ألتقط بعض الصور، وفجأة شعرت بسلاح موجه لظهري، وأمرني المسلح بالسير لجهة معينة، حيث وصلنا إلى سيارة كان يوجد فيها ثلاثة ملثمين. وعندما سأني المسلح عن أسمي وجنسيتي، تراءى أمامي شريط ما يحدث لي في مطارات عربية لو تجاهرت بفلسطينيتي، وكان علي التفكير بلحظات لأرد على سؤال المسلح،

ولم أعرف لغاية كتابة هذه السطور كيف تجرأت وقلت له: “أنا من إخوانكم الفلسطينيين”. فنظر إليه أحد المسلحين الآخرين وأومأ إليه برأسه كعلامة رضى، ثم أدار المسلح وجهه باتجاهي وعانقني مرحبا بي. وكان هؤلاء المسلحين ولحسن حظي ورحمة الله بي، من مجموعات المقاومين للاحتلال الأمريكي، وكانت هذه المرة الأولى التي أنقذتني بها فلسطينيتي ليس من مأزق فقط، بل من القتل.

 يوماً سعيدا للجميع.

 

 

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...