السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

“الكتب تُهجر لقصص تُروى على تيك توك: أزمة محتوى أم تغيير أدوات؟”

كارولين ياغي

في زحمة المقاهي البيروتية، حيث تضيع الأحاديث بين رشفات القهوة وضجيج الشارع، قلّما ترى كتابًا على الطاولة. غابت الصفحات الورقية لتحلّ مكانها شاشات مضيئة، وأصبح الإنصات لمقطع قصير على تيك توك أكثر شيوعًا من التوغّل في فصل من رواية. ليست المسألة مجرد تبدّل عادات، بل تحوّل في العمق: من يملك رواية الزمن اليوم؟ من يسرد؟ ولمن؟
لا يمكن إنكار التحوّل الجذري الذي أحدثه تيك توك، ومنصات الفيديو القصير عمومًا، في طريقة استهلاكنا للمحتوى. أصبح السرد البصري المختصر هو “الكتاب” الجديد لجيل لم يعش تفاصيل المكتبات الورقية، ولا انتظر صدور رواية بشغف ليبتلعها في ليلة واحدة. اليوم، القصة تُحكى بصوت سريع، وصورة لامعة، وموسيقى “ترند”.
لكن هل المشكلة في القارئ أم في الكُتّاب؟ هل هي أزمة محتوى أم مجرّد تبديل أدوات؟
الجواب ليس بسيطًا.
الواقع أن المحتوى الثقافي لم يختفِ، بل تغيّر شكله. كثيرون اليوم يشاركون أفكارهم العميقة عبر فيديوهات قصيرة؛ يختصرون روايات كاملة في دقيقة؛ ويلخّصون كتبًا فكرية معقّدة بطريقة تجعلها أقرب إلى الجمهور. فهل هذا يُعدّ تبسيطًا مخلًّا أم ديمقراطية معرفية؟ ربما الأمران معًا.
في لبنان، حيث كان الكتاب يومًا صديق الجيل الطالع، بات الحديث عن القراءة نوعًا من الحنين. لم تعد معارض الكتب مزدحمة، ولم نعد نرى الأطفال يحملون قصصًا صغيرة على الشاطئ. صار الهاتف هو الرفيق، والقصة تُشاهد لا تُقرأ. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في انصرافنا عن الكتب، أم في شكل الكتب ذاتها؟ وهل يُلام القارئ حين لا يجد نفسه في لغات صعبة لا تُشبهه، ولا في سرد بعيد عن يومياته؟
من الظلم أن نختزل هذه الظاهرة بنبرة هجومية على “الجيل الجديد”. فهم لا يرفضون المعرفة، بل يبحثون عنها بلغتهم. ومن واجبنا أن نسأل: لماذا لم نعد قادرين على ابتكار محتوى يزاوج بين العمق والبساطة وبين المتعة والمعرفة وبين الورق والشاشة؟
الكتب لم تمت. لكنها تئنّ، وتنتظر من يعيد إليها الحياة.
ربما ليس عبر إحياء الماضي، بل عبر فهم الحاضر، والكتابة بلغة هذا الجيل لا على حساب المضمون، بل على قدر شغفه.
في نهاية المطاف، ليست المعركة بين الورق والشاشة، بل بين التفرّغ للمعنى والتشتّت بين آلاف القصص السريعة. وكما كتب المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” يومًا:”ما من حضارة تموت قتلاً، بل غالبًا ما تموت انتحارًا”.
فهل نكون شهودًا على انتحار القراءة؟ أم صُنّاعًا لصيغة جديدة من الحكاية… تحفظ جوهرها، وتواكب زمنها؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...