الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

“الكتب تُهجر لقصص تُروى على تيك توك: أزمة محتوى أم تغيير أدوات؟”

كارولين ياغي

في زحمة المقاهي البيروتية، حيث تضيع الأحاديث بين رشفات القهوة وضجيج الشارع، قلّما ترى كتابًا على الطاولة. غابت الصفحات الورقية لتحلّ مكانها شاشات مضيئة، وأصبح الإنصات لمقطع قصير على تيك توك أكثر شيوعًا من التوغّل في فصل من رواية. ليست المسألة مجرد تبدّل عادات، بل تحوّل في العمق: من يملك رواية الزمن اليوم؟ من يسرد؟ ولمن؟
لا يمكن إنكار التحوّل الجذري الذي أحدثه تيك توك، ومنصات الفيديو القصير عمومًا، في طريقة استهلاكنا للمحتوى. أصبح السرد البصري المختصر هو “الكتاب” الجديد لجيل لم يعش تفاصيل المكتبات الورقية، ولا انتظر صدور رواية بشغف ليبتلعها في ليلة واحدة. اليوم، القصة تُحكى بصوت سريع، وصورة لامعة، وموسيقى “ترند”.
لكن هل المشكلة في القارئ أم في الكُتّاب؟ هل هي أزمة محتوى أم مجرّد تبديل أدوات؟
الجواب ليس بسيطًا.
الواقع أن المحتوى الثقافي لم يختفِ، بل تغيّر شكله. كثيرون اليوم يشاركون أفكارهم العميقة عبر فيديوهات قصيرة؛ يختصرون روايات كاملة في دقيقة؛ ويلخّصون كتبًا فكرية معقّدة بطريقة تجعلها أقرب إلى الجمهور. فهل هذا يُعدّ تبسيطًا مخلًّا أم ديمقراطية معرفية؟ ربما الأمران معًا.
في لبنان، حيث كان الكتاب يومًا صديق الجيل الطالع، بات الحديث عن القراءة نوعًا من الحنين. لم تعد معارض الكتب مزدحمة، ولم نعد نرى الأطفال يحملون قصصًا صغيرة على الشاطئ. صار الهاتف هو الرفيق، والقصة تُشاهد لا تُقرأ. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في انصرافنا عن الكتب، أم في شكل الكتب ذاتها؟ وهل يُلام القارئ حين لا يجد نفسه في لغات صعبة لا تُشبهه، ولا في سرد بعيد عن يومياته؟
من الظلم أن نختزل هذه الظاهرة بنبرة هجومية على “الجيل الجديد”. فهم لا يرفضون المعرفة، بل يبحثون عنها بلغتهم. ومن واجبنا أن نسأل: لماذا لم نعد قادرين على ابتكار محتوى يزاوج بين العمق والبساطة وبين المتعة والمعرفة وبين الورق والشاشة؟
الكتب لم تمت. لكنها تئنّ، وتنتظر من يعيد إليها الحياة.
ربما ليس عبر إحياء الماضي، بل عبر فهم الحاضر، والكتابة بلغة هذا الجيل لا على حساب المضمون، بل على قدر شغفه.
في نهاية المطاف، ليست المعركة بين الورق والشاشة، بل بين التفرّغ للمعنى والتشتّت بين آلاف القصص السريعة. وكما كتب المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” يومًا:”ما من حضارة تموت قتلاً، بل غالبًا ما تموت انتحارًا”.
فهل نكون شهودًا على انتحار القراءة؟ أم صُنّاعًا لصيغة جديدة من الحكاية… تحفظ جوهرها، وتواكب زمنها؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...