السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نوبة هلع في مصعد...

في المصعد الكهربائي أشخاص مستعجلون ،كل واحد منّا ينتظر باب طابق لملاقاة مريض متعب .
لا يرقد في المستشفى غير المهددين بصحّتهم.
كل واحد ينظر إلى الآخر ،ولا يرى غير ازمته الخاصة،السمين الواقف إلى جنبي الأيمن يتأمل النحيل الواقف إلى يساري ،الأصلع ينظر إلى الرجل الكثيف الشعر،القصير يمتّع نظره بشابة طويلة القامة.
تظنّنا ننظر إلى الازرار المرقّمة المضاءة عند حافة باب المصعد ،الا اننا في الحقيقة ننظر إلى بعضنا البعض بتأفف بإنتظار انتهاء الرحلة.
كل واحد منّا مقتنع ان الآخر مصدر إزعاج.
أسوأ الرحلات تلك التي تجمعنا بأشخاص لم نخترهم،تلزمنا بهم الضرورة ولو لثوان.
الا ان للأقدار والكهرباء والأسلاك رأي آخر،توقف المصعد، وانطفأ الضوء بعد صدور ضجيج مباغت مع اهتزاز الحجرة بنا.
صمت لا تخرقه غير الانفاس ثم سماع الرجل عند زاوية المصعد يلعن شركة الكهرباء ،ليصيح له آخر ان المسؤول ليس غير مولّد الكهرباء الخاص بالمستشفى.
أحدنا طمأن الجميع أن الازمة لن تطول لأن هناك مختصون سيسعفون الجميع بسرعة، الا انه أنهى كلامه بشتم السياسيين.
لماذا السياسيين؟
لا اعرف.
لم تطمئن المرأة الأنيقة امامي،لم يعجبها المشهد ،سمعنا جميعا صوت انفاسها المتسارعة حتى اننا سمعنا خفقان قلبها الموجوع.
صاحت انها تعاني من نوبة هلع ،وبحال لم يُفتح الباب بأي طريقة ستغيب عن الوعي.
قالت ذلك وقد بدأت بفك ازرار ياقة قميصها، ثم أنزلت حقيبة اليد على الارض وبدأت قواها تتلاشى رويدا رويدا، إلى ان مالت بجسمها نحوي فبادرتها وبسرعة الحاذق بحبة من دواء “الكسانكس” في فمها كانت في جيبي ليس بالصدفة إنما لمهمات مستحيلة واحتضنتها.
سألت فأجبتها عن اسم الدواء فارتاحت واستوضحتني بعينين تبحثان عن أمل:
-ما هي مهنتك؟
–طبيب
-جيّد ا،ساعدني ارجوك!ما اختصاصك؟
–طبيب نفسي.
-رائع ،في العسر يسرا يا حكيم ،ساموت من الخوف ماذا علي ان افعل؟هل سنختنق؟
–تنفسي بهدوء وارخي عضلات جسمك ،لا تخافي لن تسقطي لأني أحضنك .

هنا صفّق الجميع مع ابتسامة امل،ظننت التصفيق لنا نحن الاثنين الا اني انتبهت ان المصعد عاد واسترد وعيه، فانار الحجرة واكمل صعوده ثم توقف ،وفتح الباب ليخرج الجميع حتى إلى الطابق الخطأ.
فجأة اختفى الجميع حتى المرأة الجميلة الأنيقة المرعوبة،ما إن لاح الضوء والحرية حتى لملمت جسمها وانطلقت.
لم اسمع كلمة “شكراً” من احد.
لم أفعل شيئا لأُشكر عليه إنما الا يكفي اني حضنتها؟
الخلاص والنجاة لا يحترمان الاخلاق، ولا يقيمون وزناً للمنقذ.
أسوأ ما في الحياة خارج المصعد ان تضحياتنا تنساها الناس ،وانا لم أضحِّ إنما نرجسيتي لا ترضى الا بشكر مع قبلة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...