في لحظةٍ مفصليةٍ من تاريخ الأمّة، يقف لبنان أمام تحدّيين خطيرين، قرارٌ داخليٌّ بسحب سلاح المقاومة، ومخطّطٌ خارجيٌّ يروَّج له على أنه سلام، بينما هو في جوهره فخّ لابتلاع المنطقة وإسقاط القضية الفلسطينية.
قرار حكومة نواف سلام بنزع سلاح المقاومة لم يكن مجرّد خطوةٍ سياسيةٍ، بل كان شرارةً قد تشعل الشّارع اللّبناني. فإذا قرّر الشّعب النّزول موحَّداً وفرض استقالة رئيس الحكومة، فسيدخل لبنان في فراغٍ حكوميٍّ، ويتوقّف القرار عملياً، ما يشكّل انتصاراً لخطّ الدّفاع الوطني.
لكن هذا الانتصار قد يحمل في طيّاته فوضى سياسية واقتصادية، واحتمال انزلاق البلاد إلى مواجهة “الشّارع بالشّارع”. وفي ظلّ هذا التّوتّر، يتعاظم الخوف من اغتيال شخصيةٍ وازنةٍ تُشعل فتنةً داخلية، وهو السّيناريو الأخطر الّذي قد يكون للأسف جزءاً من المخطّط المطلوب.
والأغرب أنّ قرار سحب السّلاح جاء رغم وجود المحتلّ الإسرائيليّ في الجنوب، واستمرار خروقاته اليومية، حيث تحلّق طائراته بلا انقطاعٍ فوق سماء لبنان، في انتهاكٍ صارخٍ لسيادته ليل نهار. فكيف يُطلب من وطنٍ مُستباح أن يتخلّى عن سلاحه الأخير؟
قد يظنّ البعض أنّ موقفي من سلاح المقاومة هو مجرّد “نكاية” بفريقٍ سياسيٍّ آخر، لكنّ الحقيقة أنّ هذا الموقف ينبع من وعيٍ سياسيٍّ وطنيٍّ مدركاً خطورة نزع السّلاح في ظلّ احتلالٍ قائمٍ وتهديدٍ دائم. فالمسألة ليست انتصاراً لفريقٍ على آخر، بل حماية لوطنٍ بأسره من مشروعٍ يُراد له أن يسقط بلا مقاومة.
أمّا إذا تمسّكت الحكومة بموقفها رغم الغضب الشّعبي الّذي شاهدناه خلال اليومين الأخيرين فنحن أمام مشهدٍ أكثر حدّةٍ، وهو انقسامٌ داخليٌّ عميقٌ، تصاعد الاحتجاجات إلى عصيانٍ مدنيٍّ، وإحراجٍ كبيرٍ للمؤسّسات الوطنية، خاصّةً الجيش، في كيفية التّعامل مع شارعٍ يرى القرار استسلاماً، لا إصلاحاً.
ما جرى مع بعض الدّول العربيّة ليس سلاماً كما يدّعون، بل طُعم سياسيّ لإسقاط القضية الفلسطينية. ما حدث مع الرّئيس ياسر عرفات قبل تسميمه واغتياله خير دليلٍ على مصير من يرفض الانصياع للمخطّط.
ألمشهد الّذي يُراد فرضه في المنطقة ليس إلّا احتلالاً مبطّناً، تُنفَّذ بنوده عبر اتفاقياتٍ تجاريةٍ وسياسيةٍ تخضع لزعماء غايتهم المال والصّفقات، ولو على حساب الوطن والأمّة كاملة.
ألصّمت على هذه السّياسات أشبه بتجرّع سمٍّ بطيءٍ، يقود إلى هجرةٍ قسريةٍ من المنطقة والبديل موجود، وواقع تتحقّق فيه كما يزعمون ب“نبوءات التّوراة”، حيث تسيطر إسرائيل على الأرض والقرار، ويُعامل من بقي كالعبيد في وطنه.
اللّحظة الحاسمة…لبنان اليوم في قلب هذه المعركة المزدوجة..في الدّاخل، محاولة تجريد المقاومة من سلاحها، بينما الاسرائيلي لا يزال محتلاً لعدّة قرى ومناطق في الجنوب وهو موجودٌ بعتاده وألويته على الأبواب.
وفي الخارج، مشروعٌ إقليميٌّ لابتلاع القضية الفلسطينية وتفكيك الهويّة العربيّة.
إنّ المعركة ليست حول حكومةٍ أو قرارٍ فحسب، بل حول هويّة وطنٍ ومستقبل أمّة. وإذا لم يتحرّك الشّعب موحّداً دفاعاً عن كرامته وسيادته، فسيدفع الجميع الثّمن، وسيكتب التّاريخ أنّ هذا الجيل شاهد الفخّ وهو يُنصب، ثم سار إليه مختاراً.
إقرأوا في السّياسة والتّاريخ والأحداث قبل أن تحكموا على ما أكتبه لكم، فأنا لا أبحث عن جدالٍ عابرٍ، بل أحذّر من مستقبلٍ أراه يقترب. إنّ خوفي ليس على نفسي، بل على مصير الوطن ومصيركم جميعاً…


