السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من مذكرات مهاجر لاجئ من قرية الدامون في الجليل الغربي من فلسطين

تقع قرية الدامون في الجليل الغربي من فلسطين وتبعد عن حيفا 24 كم وعن عكا 12 كم تقول المذكرات : غاب جيش الإنقاذ فجأة الى غير رجعة ونجح اليهود في احتلال قرية البروة المشرفة على قريتنا الدامون ،ولما أصبح خطر هجوم اليهود على قريتنا وشيكاً ، ارتأى رجال القرية أن يُخرجوا النساء والأطفال والشيوخ من القرية ليتفرغ الرجال الباقون للدفاع عنها ،ولم أصطحب معي قبل الخروج من البيت إلا كيس كتبي ودفاتري .
ثم تطورت الأوضاع في القرية نحو الأسوأ، وازداد وضع المقاتلين سوءاً لقلة الزاد والعتاد ،فبدأت الذخيرة تَنفَذ ، وبقينا نساءً وأطفالاً 12 يوماً في الوادي ،وصارت قلوب أهل القرية أكثر اشتياقاً للعودة إليها، فعدنا لنراها تهجع في منظر مرعب كئيب ومنظر الماشية والحيوانات والطيور الجائعة العطشى رهيب للغاية ، والبيوت خاوية خالية فارغة حزينة باكية، فبذرنا لها علفاً كثيراً ووضعنا الماء في أوعية ، وفجأة لعلع الرصاص وانهالت القذائف المدفعية فرجعت الناس بأقصى سرعة، وهم في منتهى الخوف وابتعدنا عن القرية فغابت عن ناظري مع غياب شمس أحد أيام شهر تموز ..لتبقى الدامون في القلب والفكر والوجدان .
قضينا ليلتنا في خراج بلدة سخنين تحت أشجار اللوز لنستيقظ قبل الفجر ونتابع المسيرة لنصل بعد مسيرة شاقة الى وادي سخنين ،الذي تحيط به قرى “سخنين التي رفعت الأعلام البيض “ودير حنا والمغار والرامة وهو وادي أخضر جميل تجري فيه المياه ،وتدور عليها الطواحين ، حططنا الرحال وصرنا كأولاد نذرع جنبات الوادي لنفتش عن عروق الملوخية وبعض الفرفحنة والقرصعنة فنقطعها ،ونعود بها الى أمهاتنا فتصنع منها طعاماً… وبقينا في عذاب معيشي ونفسي 40 يوماً ، كانت أمي حاملاً في شهرها التاسع ، وفي أواخر شهر آب ولدت لنا طفلة أسميناها سلمى ، ونحن في الوادي وصلتنا أخبار الدامون الحبيبة وقد تم تدميرها ،فبكيناها بكاءً مراً .
ضاعت الدامون وضاع كيس كتبي ، وبعد ولادة أمي بيومين شرع القوم بالرحيل عن بطاح وادي سلامة ،على الرغم من كون أمي في حالة نفاس وولدت من غير داية ، لنستأنف مسيرة العذاب على طريق الجلجلة ،بين الصخور والأشواك في طريق جبلية على هيئة جنازة طويلة تمتد مئات الأمتار ،في قافلة بشرية قوامها أطفال ونساء وشيوخ وكهول وعجائز في هيئاتهم الرثة ،وقد أنهكهم الجوع واستبد بهم العطش … وأمي منهكة متعبة لقلة الغذاء ووجود طفلة رضيع عمرها أيام ،وقد حمل أبي الفرشات واللحف وحملت أنا ابن التاسعة أخي محمد العليل المريض .
حططنا الرحال في قرية البقيعة التي تقع في قضاء عكا ،وهي خليط من أكثرية درزية وأقلية مسيحية فاستأجر أبي زنزانة لها طول وليس لها عرض ، انحشرنا فيها لنقضي أياماً من أتعس الأيام وأكثرها حزناً وجوعاً وخوفاً ومرارة ألم وفراق ، وفي البقيعة تبخر آخر قرش مع والدي فصار أبي يرحل يومياً مع بعض أولاد عمومته الى بلدتي ترشيحا ومعليا ،حيث هناك معسكر كبير لجيش الإنقاذ لنستعطي بعض الخبز والطعام ، وفي بلدة ترشيحا الكبيرة والجميلة شاهدت عملية شنق بالحبال لأحد الجواسيس وإحدى الجاسوسات يعملان مع العدو الصهيوني ، وفي الأول من تشرين الثاني 1948هاجمت طائرات اليهود بلدة ترشيحا، حيث قصفت بنيرانها المعسكر والبلدة والجوار .
وكانت المرة الأولي التي أرى فيها طائرتان حربيتان تطلقان النيران بمدافعهما الرشاشة، وفي اليوم التالي شاهدنا أنا وأترابي فلول جيش الإنقاذ المنسحب ،وهم يعدون بالمئات متوجهين نحو الغرب ، وفي اليوم التالي قدمت من صوب الشرق دبابات العدو وحاملات الجنود وحطت رحالها قرب المدرسة ،حيث تجمع حشد عفوي من الصغار ،وصاروا يحدثون الجنود وصار بعض الجنود يعلمنا نشيداً بالعبرية علمنا بعد ذلك أنه نشيد منظمة “الهاغانا” الإرعابية .
هلع أهلي ولم يعرفوا كيف يتصرفون بعد إقدام اليهود على ارتكاب مجزرة بحق الأهالي في دير ياسين ،وفي اليوم التالي سمعنا أحد المنادين يعلن بصوت عال ” على كل شخص غريب عن قرية البقيعة أن يغادرها فوراً، وإلا عرض نفسه للقتل … فهب والدي وأعمامي والآخرون من أهل الدامون يغادرون في رحلة الى المجهول ، ساروا جميعاً بالآلاف في صمت فظيع ونحيب هامس وبكاء مكبوت ودمعة سخية ، باتجاه الغرب نحو قرية سحماتا لتفاجأ الجموع الزاحفة بحاجز طيار لإحدى الطوائف العربية المتعاونة مع اليهود وذلك لاعتراض أهل القرى الهاربة بغرض السلب والتشليح .
وصلنا الى الحاجز لأرى بأم عيني ثلاثة رجال مقتولين وضعت جثتهم على جانب الطريق ،وعلى الحاجز نفسه أطلق أحد أفراده النار من مسدس حربي على أحد الشباب فأرداه قتيلاً ، وكانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها قتل إنسان بالرصاص … فتشونا وأهانونا وكان عمي يعرف بعضهم …هذه المعرفة التي سهلت لنا مرورنا من دون مضايقات ، فتركونا نتابع السير في طريق رحلة العذاب والجوع والعطش والظلم والبؤس والخوف والمجهول ، وبعد الحاجز الخائن أمسكت بيد ستي سعدى الكفيفة تقريباً والتفت ورائي لأرى أمي قد وضعت أختي الطفلة في لكن العجين ،تحمله على كتفها وهي في حالة إعياء شديد تكاد تلفظ أنفاسها .
سمعت ستي سعدى تقول ” وين الملوك العرب اللي وعدونا بطرد اليهود من فلسطين وين الملك عبد الله وين الملك فاروق وين الملك الفلاني بدل ما يطردوا اليهود طردونا إحنا ….الله ينتقم منهم ” تابعنا المسير حتى وصلنا الى عين قطمون ،وهي عين ماء مدرارة ينساب منها الماء فاحتشد الناس كل يبغي لنفسه …ولم أستطع أن أصل إليها أنا وجدتي ، وبعد أمتار من العين الواقعة على الحدود اللبنانية وقفت الجموع واستدارت الى الوراء الى الجنوب حيث أرض فلسطين وقرى فلسطين وأجهش بعضهم في البكاء ،وسمعت ولداً يبكي ويقول ( يلله يمه بدناش نرجع ع بيتنا ) …
دخلنا قرية رميش اللبنانية حفاة شبه عراة نتضور جوعاً ونلتهب عطشاً ،وصرنا نسأل عن الماء فعز الماء علينا وصار بعض الأهالي يشير الى بركة ماء آسن تتوسطه جثة خنزير ميت وقالوا لنا هذا ماء فاشربوا …وبالطبع لم نشرب وعجبنا لهذ المعاملة السيئة التي فهمنا سرها لاحقاً ….غادرنا قرية رميش وهبطنا أودية لنصل الى بلدة عامرة بالسكان قبل غروب الشمس بلحظات اسمها ( بنت جبيل ) .. وفوراً أخذت أفتش عن ماء بصحبة والدي فلم نحظ بالماء ،فقال أبي تعالى يا حسين زمطنا من رصاص اليهود وهون بدنا نموت من العطش ، فسمعت إحداهن حديث أبي وكانت تجلس على باب بيتها قالت “تعا يا صبي شو اسمك “؟ فقلت حسين فقالت ياشحاري وأكملت “وهيديك الرجال بيك ؟”فأجبت نعم فسألت شو اسمو ؟ فقلت علي فصرخت بصوت عالي “ياشحاري وشحار شحاري وقف يا قباري عندك “وتابعت همدرتها ( يا شحاري هو حسين وبيو علي راح يموتوا من العطش ..) ,احضرت لنا ابريق ماء فشربت وشرب أبي ،وأعطتنا ابريقاً بكامله ملأته بالماء من جديد .. وعرفت لا حقاً سر هذا الحوار … وقال أبي هامساً ماذا كانت هذه المرأة ستفعل لو عرفت اسم زوجتي خديجة واسم ابنتي فاطمة …
وفي المساء جمع اللاجئون الفلسطينيون في ساحة بنت جبيل حيث حضرت مجموعة من الشاحنات حيث حُملنا مثل المواشي لنصل الى منطقة رملية واسعة نصبت فيها صفوف طويلة منتظمة من الخيام .. ولم يستقر بنا المقام حيث نادى المنادي من أراد البقاء في صور فليأخذ خيمة مع عياله ،ومن أراد الرحيل الى سورية فلينتظر قرب عربات القطار .. ففضل أعمامي والأقرباء الرحيل الى سورية فكان القطار بانتظارنا حيث حشرنا في عرباته، وتوجه بنا شمالاً على نية الذهاب الى حلب فعلمنا لاحقاً أن سورية رفضت استقبالنا، وكنا وصلنا الى محطة سكة حديد طرابلس الشام في شمالي لبنان .وهكذا أطل علينا صباح السابع من تشرين ثاني عام 1948 ونحن على بعد قلعة أثرية تاريخية ، وتقع المحطة بين مدينة الميناء غرباً ومصب أبو علي شرقاً ،فأنزلنا ووزعنا على أنحاء شتى من طرابلس والجوار ..

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...