مصيبتنا في لبنان ان الذين يُفترض أن يقرأوا الأحداث المحلية والإقليمية والدولية ويدققوا في تفاصيلها الأساسية والشكلية، ويسبروا غورها، ليسوا على مستوى الآمال المنشودة. مثلاً كم هو عدد المعنيين اللبنانيين الذين أحسنوا قراءة مقدمات ومجريات وسلوكيات قطبي القمة التاريخية التي جمعت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟؟
هل استوقفهم المكان الذي تم اللقاء فيه والتقطوا إشارات كون المكان أرضاً روسية الأصل، انتقلت ملكيتها للدولة الأميركية بالشراء من القيصر الروسي؟ يعني ان ترامب استقبل بوتين على أرض أميركية ،مع ان ضيفه “معاقب” دولياً من أميركا وجميع حلفائها في العالم وهو ملاحق من قبل المحكمة الجزائية الدولية ،الخاضعة للنفوذ الأميركي على العمياني!!
لقد ضرب ترامب عرض الحائط بكل هذه العقبات، بل الموانع، وفرش السجادة الحمراء للقيصر الأحمر الآتي إليه من كرملين القياصرة الروس واستقبله بالتصفيق، غير مرة، وهو في طريقة إليه ليتصافحا مصافحة الأصدقاء وليس مصافحة الأعداء المتجلدة العواطف، وما تبعها من لياقة تكريم ترامبية كانت من مشاغل الإعلام العالمي الذي واكب الزيارة.
أكبر قوتين نوويتين في الدنيا قدمتا تنازلات متبادلة لطمأنة ملايين الناس وتهدئة مخاوفهم، وأفهامهم ان إدارة الخلاف ممكنة مع التحلي بالحكمة والعقلنة والاعتراف بالمصالح الخاصة للمختلفين. فالدول ليست جمعيات خيرية، ولا تقدم الهدايا لوجه الخير وحده. الدول مصلحة في المقام الأول والمسؤول المميز هو الذي يجيد سياسة التوفيق بين هذه المصالح والحؤول دون جنون طموحها وجشعها.
سؤال: هل أعطى ترامب كل ما يريده بوتين؟ حتماً لا، ولا بوتين فعل ذلك، ولكنهما استنفرا أوروبا لترحّب باللقاء وتشكر أميركا ورئيسها على ما تم إنجازه ،في مشهد نادر جمع قادة أوروبا عند رئيس أميركا في البيت الأبيض، كان “المغرّد الأسود” فيه زيلنسكي رئيس أوكرانيا قبل أن يطمئنه ترامب ان بوتين سيلتقيه ،وانه هو شخصياً قذ ينضم إلى اللقاء.
هل فهم أصحاب الرؤوس الحامية في لبنان مفاعيل ما جرى على الساحة الدولية؟ هل أدرك بعضهم ان “البهورة” والتهديد بجز الرقاب ومقاتلة الشمس والقمر والهواء والبحر واليابسة هي مسيرة إنتحار وثقافة خراب ودمار ؟
يا جماعة، بوتين مصلحجي وترامب مصلحجي أكبر، ولكنهما قائدان غير عاديين في شجاعتها وواقعيتهما، هل من يُحسن القراءة؟؟


