الأحد، 8 مارس 2026
محافظة بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

سر الغزل الدبلوماسي المفاجئ بين بوتين والشرع (تحليل شامل)

تحليل- صفوت عليوان

تشهد العلاقات بين النظام السوري الجديد وروسيا تطورات درامية، فبعد أقل من عام من التدخل الروسي لإنقاذ الرئيس السوري المعزول بشار الأسد، يترقب الروس والسوريون لقاء الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره الجهادى أحمد الشرع في أمر يقلق واشنطن وتل أبيب.

بقراءة سريعة، يتبيّن أنّه لن تكون واقعيّةً رغبةُ دمشق بالحصول على دعم أو غطاء روسيّ أمام التوغّلات الإسرائيلية أو الغارات الجوّية المتنقّلة. فروسيا لم تكن سدّاً منيعاً أمام الهجمات الإسرائيلية زمن بشّار الأسد، وإن كانت زوّدت دمشق بوسائل دفاع ذات مدى محدّد، وكانت تسلّح الجيش بمعدّات كثيرة لقتال الثورة، لا إسرائيل. وهي بالتأكيد لن تزوّد النظام الجديد بعُشر ما كانت تعطيه للأسد.

والسبب واضح، وهو أنّ بوتين يريد تحييد إسرائيل عن حرب أوكرانيا قدر المستطاع، وهذه حسابات شائكة كانت سبباً في تخاذل الروس عن دعم الأسد قبيل السقوط، وعن دعم طهران نفسها بالسلاح الدفاعيّ المناسب.

فماذا يعني هذا الغزل الدبلوماسي بين أعداء الأمس؟ هل تستعيد موسكو دورها الاستراتيجيّ في سوريا؟ وهل تقدّم للنظام الجديد الغطاء العسكريّ والأمنيّ الذي كانت توفّره لنظام الأسد تقييداً للتفلّت الإسرائيلي في الجنوب السوري وفي كلّ ناحية، حفاظاً على قواعدها العسكرية ومصالحها الاقتصاديّة في سوريا؟

يستفيد بوتين أكثر من الشرع بالعودة إلى سوريا لاعباً استراتيجيّاً. وكلّما تعرّضت سوريا للعدوان الإسرائيلي، كانت الحاجة أكبر إلى المساعدة الروسيّة المحدودة
لماذا تدخّلت موسكو عام 2015؟

لا بدّ من رسم خارطة المصالح المتوقّعة والآمال غير الواقعيّة، لرصد الإمكانات الحقيقية لعلاقة مثمرة مع الاتّحاد الروسيّ بقيادة بوتين. لكن من المفيد التذكير قبل ذلك بالأسباب الجيوسياسية التي دفعت بوتين إلى التدخّل العسكري المباشر في سوريا عام 2015، وبالتأكيد ليس اقتناعاً ببشّار الأسد.

أوّلاً: رأت موسكو في الفوضي السوريّة امتداداً لما سُمّي بثورات الربيع العربي أواخر عام 2010، التي هي النسخة العربية للثورات الملوّنة التي ضربت بعض دول أوروبا الشرقية بعد تحرّرها من الاتّحاد السوفيتي، وأصابت بلداناً مجاورة لروسيا الاتّحادية، لا سيما جورجيا وأوكرانيا. ففي جورجيا، قامت “ثورة الورود” عام 2003، فأطاحت بالرئيس الجورجي السابق إدوارد شيفرنادزه المدعوم من موسكو، وأوصلت إلى الحكم ميخائيل ساكاشفيلي المدعوم غربيّاً، وزعيم المعارضة الجورجيّة سابقاً. فردّت موسكو بإرسال قوّاتها إلى جورجيا عام 2008 دعماً للانفصاليّين في إقليمَي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
في أوكرانيا، اندلعت الثورة البرتقالية عام 2004، لكنّها لم تحسم الصراع بين مؤيّدي الغرب ومناصري روسيا من الأوكرانيّين المتحدّثين بالروسيّة. حتّى كان عام 2014، حين وقع الانقلاب الشعبي على الرئيس المؤيّد لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، فردّت روسيا بضمّ شبه جزيرة القرم، ودعم المتمرّدين في شرق البلاد.

ومن هنا يُفهم التدخّل الروسيّ في سوريا أنّه محاولة لإجهاض موجة إسقاط النُّظُم السياسية بالثورات الشعبية أو الانقلابات العسكرية، على غرار ما حدث في ليبيا مثلاً عام 2011. فموسكو نفسها كانت مؤهّلة لثورة ملوّنة أيضاً، وهي تدافع عن نفسها.

ثانياً، لا ترتاح روسيا لوصول إسلاميّين سُنّة إلى السلطة، لا سيما إن كانوا من التيّار السلفيّ. وقد عانت الأمرّين من ثورة الشيشانيّين على الحكم المركزيّ، وكان أصلب معارضيها من السلفيّين الجهاديّين، في الحربين المتعاقبتين: (1994-1996)، و(1999-2009). ولم تستطِع التغلّب على المعارضة الشيشانيّة إلّا بالاستناد إلى الزعيم الصوفيّ رمضان قديروف، الذي أثبت ولاءه المطلق لبوتين بمشاركته الفعّالة في الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2022.

وفي سوريا خلال الثورة على الأسد، كان أشرس المقاتلين ينتمون إلى التيّار السلفيّ، ومنهم الرئيس الشرع، ووزير الخارجية الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة. وإلى جانبهم مقاتلون شيشانيّون وتركستانيون وغيرهم. لذلك كان الهجوم الروسيّ جزءاً من عمليّة دفاعيّة استباقيّة، خشية رجوع العدوى إلى الاتّحاد الروسيّ، والنار تحت الرماد.
نجح الرئيس الشرع ورفاقه، على نحوٍ غير متوقّع، في إقناع دول رئيسة في العالم، بحقيقة تحوّلهم إلى مسار آخر. فرُفعت عقوبات أميركية، وتدفّق مستثمرون، وصمد النظام الجديد أمام تحدّيات جمّة
هل تغيّر الشّرع أم بوتين؟

حتّى تعود العلاقات الروسيّة السوريّة إلى دفئها السابق؟ هل زال خطر الثورة الملوّنة في روسيا، بعد نقل بوتين المعركة إلى ميدان العدوّ في أوكرانيا المدعومة من الولايات المتّحدة وأوروبا الغربيّة؟ وهل يثق بوتين الآن بالسلفيّين الجهاديّين، أم نجح هؤلاء في تغيير الانطباع السابق عنهم، وبرهنوا عن براغماتيّة غير مسبوقة.

في المقابل، يستفيد بوتين أكثر من الشرع بالعودة إلى سوريا لاعباً استراتيجيّاً. وكلّما تعرّضت سوريا للعدوان الإسرائيلي، كانت الحاجة أكبر إلى المساعدة الروسيّة المحدودة. والفائدة الروسيّة الكبرى ستكون في الاقتصاد عامّة، وفي مجال الطاقة خاصّة، وفي إعمار البلاد بعد دمار وتهجير عميمين كانت روسيا نفسها من عواملهما. إنّها باختصار محاولة سوريّة لتخفيف القلق الإسرائيليّ، بالتقرّب من عدوّ استراتيجيّ للثورة، وفق تكتيكات ظرفيّة غير مضمونة.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...