الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

سر الغزل الدبلوماسي المفاجئ بين بوتين والشرع (تحليل شامل)

تحليل- صفوت عليوان

تشهد العلاقات بين النظام السوري الجديد وروسيا تطورات درامية، فبعد أقل من عام من التدخل الروسي لإنقاذ الرئيس السوري المعزول بشار الأسد، يترقب الروس والسوريون لقاء الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره الجهادى أحمد الشرع في أمر يقلق واشنطن وتل أبيب.

بقراءة سريعة، يتبيّن أنّه لن تكون واقعيّةً رغبةُ دمشق بالحصول على دعم أو غطاء روسيّ أمام التوغّلات الإسرائيلية أو الغارات الجوّية المتنقّلة. فروسيا لم تكن سدّاً منيعاً أمام الهجمات الإسرائيلية زمن بشّار الأسد، وإن كانت زوّدت دمشق بوسائل دفاع ذات مدى محدّد، وكانت تسلّح الجيش بمعدّات كثيرة لقتال الثورة، لا إسرائيل. وهي بالتأكيد لن تزوّد النظام الجديد بعُشر ما كانت تعطيه للأسد.

والسبب واضح، وهو أنّ بوتين يريد تحييد إسرائيل عن حرب أوكرانيا قدر المستطاع، وهذه حسابات شائكة كانت سبباً في تخاذل الروس عن دعم الأسد قبيل السقوط، وعن دعم طهران نفسها بالسلاح الدفاعيّ المناسب.

فماذا يعني هذا الغزل الدبلوماسي بين أعداء الأمس؟ هل تستعيد موسكو دورها الاستراتيجيّ في سوريا؟ وهل تقدّم للنظام الجديد الغطاء العسكريّ والأمنيّ الذي كانت توفّره لنظام الأسد تقييداً للتفلّت الإسرائيلي في الجنوب السوري وفي كلّ ناحية، حفاظاً على قواعدها العسكرية ومصالحها الاقتصاديّة في سوريا؟

يستفيد بوتين أكثر من الشرع بالعودة إلى سوريا لاعباً استراتيجيّاً. وكلّما تعرّضت سوريا للعدوان الإسرائيلي، كانت الحاجة أكبر إلى المساعدة الروسيّة المحدودة
لماذا تدخّلت موسكو عام 2015؟

لا بدّ من رسم خارطة المصالح المتوقّعة والآمال غير الواقعيّة، لرصد الإمكانات الحقيقية لعلاقة مثمرة مع الاتّحاد الروسيّ بقيادة بوتين. لكن من المفيد التذكير قبل ذلك بالأسباب الجيوسياسية التي دفعت بوتين إلى التدخّل العسكري المباشر في سوريا عام 2015، وبالتأكيد ليس اقتناعاً ببشّار الأسد.

أوّلاً: رأت موسكو في الفوضي السوريّة امتداداً لما سُمّي بثورات الربيع العربي أواخر عام 2010، التي هي النسخة العربية للثورات الملوّنة التي ضربت بعض دول أوروبا الشرقية بعد تحرّرها من الاتّحاد السوفيتي، وأصابت بلداناً مجاورة لروسيا الاتّحادية، لا سيما جورجيا وأوكرانيا. ففي جورجيا، قامت “ثورة الورود” عام 2003، فأطاحت بالرئيس الجورجي السابق إدوارد شيفرنادزه المدعوم من موسكو، وأوصلت إلى الحكم ميخائيل ساكاشفيلي المدعوم غربيّاً، وزعيم المعارضة الجورجيّة سابقاً. فردّت موسكو بإرسال قوّاتها إلى جورجيا عام 2008 دعماً للانفصاليّين في إقليمَي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
في أوكرانيا، اندلعت الثورة البرتقالية عام 2004، لكنّها لم تحسم الصراع بين مؤيّدي الغرب ومناصري روسيا من الأوكرانيّين المتحدّثين بالروسيّة. حتّى كان عام 2014، حين وقع الانقلاب الشعبي على الرئيس المؤيّد لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، فردّت روسيا بضمّ شبه جزيرة القرم، ودعم المتمرّدين في شرق البلاد.

ومن هنا يُفهم التدخّل الروسيّ في سوريا أنّه محاولة لإجهاض موجة إسقاط النُّظُم السياسية بالثورات الشعبية أو الانقلابات العسكرية، على غرار ما حدث في ليبيا مثلاً عام 2011. فموسكو نفسها كانت مؤهّلة لثورة ملوّنة أيضاً، وهي تدافع عن نفسها.

ثانياً، لا ترتاح روسيا لوصول إسلاميّين سُنّة إلى السلطة، لا سيما إن كانوا من التيّار السلفيّ. وقد عانت الأمرّين من ثورة الشيشانيّين على الحكم المركزيّ، وكان أصلب معارضيها من السلفيّين الجهاديّين، في الحربين المتعاقبتين: (1994-1996)، و(1999-2009). ولم تستطِع التغلّب على المعارضة الشيشانيّة إلّا بالاستناد إلى الزعيم الصوفيّ رمضان قديروف، الذي أثبت ولاءه المطلق لبوتين بمشاركته الفعّالة في الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2022.

وفي سوريا خلال الثورة على الأسد، كان أشرس المقاتلين ينتمون إلى التيّار السلفيّ، ومنهم الرئيس الشرع، ووزير الخارجية الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة. وإلى جانبهم مقاتلون شيشانيّون وتركستانيون وغيرهم. لذلك كان الهجوم الروسيّ جزءاً من عمليّة دفاعيّة استباقيّة، خشية رجوع العدوى إلى الاتّحاد الروسيّ، والنار تحت الرماد.
نجح الرئيس الشرع ورفاقه، على نحوٍ غير متوقّع، في إقناع دول رئيسة في العالم، بحقيقة تحوّلهم إلى مسار آخر. فرُفعت عقوبات أميركية، وتدفّق مستثمرون، وصمد النظام الجديد أمام تحدّيات جمّة
هل تغيّر الشّرع أم بوتين؟

حتّى تعود العلاقات الروسيّة السوريّة إلى دفئها السابق؟ هل زال خطر الثورة الملوّنة في روسيا، بعد نقل بوتين المعركة إلى ميدان العدوّ في أوكرانيا المدعومة من الولايات المتّحدة وأوروبا الغربيّة؟ وهل يثق بوتين الآن بالسلفيّين الجهاديّين، أم نجح هؤلاء في تغيير الانطباع السابق عنهم، وبرهنوا عن براغماتيّة غير مسبوقة.

في المقابل، يستفيد بوتين أكثر من الشرع بالعودة إلى سوريا لاعباً استراتيجيّاً. وكلّما تعرّضت سوريا للعدوان الإسرائيلي، كانت الحاجة أكبر إلى المساعدة الروسيّة المحدودة. والفائدة الروسيّة الكبرى ستكون في الاقتصاد عامّة، وفي مجال الطاقة خاصّة، وفي إعمار البلاد بعد دمار وتهجير عميمين كانت روسيا نفسها من عواملهما. إنّها باختصار محاولة سوريّة لتخفيف القلق الإسرائيليّ، بالتقرّب من عدوّ استراتيجيّ للثورة، وفق تكتيكات ظرفيّة غير مضمونة.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...