السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

فلسطين ليست دولةً قيد التأسيس… بل هي الأصلُ الذي أُنكر

في مشهدٍ يعكسُ سخريةَ الواقعِ الدوليّ، تتسابقُ بعضُ الدولِ هذه الأيامِ إلى “الاعترافِ” بدولةِ فلسطين، وكأنّها وليدةُ اللحظةِ، كيانٌ جديدٌ يُطلبُ له القبولُ بين الكبارِ، بعدَ طولِ غيابٍ. هذا الاعترافُ المتأخّرُ ليسَ إلّا محاولةً لتبييضِ سجلٍّ أخلاقيٍّ دوليٍّ ملوّثٍ بالصمتِ، والتواطؤِ، والنفاقِ السياسيِّ الذي ساهمَ في إطالةِ عمرِ الاحتلالِ، بل ومنحهُ شرعيّةً ضمنيّةً لعقودٍ.
لكنّ الحقيقةَ التي يُصرّ البعضُ على إنكارِها أو تجاهلِها هي أنّ فلسطينَ ليست دولةً طارئةً، ولا فكرةً قيدَ النضوجِ. فلسطينُ هي الأصلُ، هي الأرضُ التي كانت وما زالت، قبل أن يُزرعَ الكيانُ الصهيونيُّ فيها قسرًا، ويُفرضَ على شعبِها تهجيرًا وقتلًا وطمسًا للهويّةِ.
من يتحدّثُ اليومَ عن “حلِّ الدولتينِ”، أو “الاعترافِ بالدولةِ الفلسطينيّةِ”، يتحدّثُ من موقعِ القوّةِ السياسيّةِ لا من موقعِ الحقيقةِ. فالتاريخُ لا يحتاجُ إلى ختمٍ أوروبيٍّ كي يُوثّقَ، ولا إلى توقيعٍ أميركيٍّ كي يُعتمدَ. الحقيقةُ بسيطةٌ: كان هناك وطنٌ اسمُه فلسطينُ، بشعبِه ومدنِه وثقافتِه، فجاء من أراد أن يستبدلَه بوطنٍ آخرَ، قائمٍ على أسطورةٍ دينيّةٍ، وسلاحٍ غربيٍّ، وتواطؤٍ دوليٍّ.
لقد وُلِدت إسرائيلُ عامَ ١٩٤٨ على أنقاضِ أكثرَ من ٥٠٠ قريةٍ فلسطينيّةٍ دُمّرت، وعلى جثثِ آلافِ الشهداءِ الذين قُتلوا في مجازرَ جماعيّةٍ، من ديرِ ياسينَ إلى الطنط… ومن اللدِّ إلى كفرِ قاسمَ. لم تكن تلك حربًا بين جيشين، بل مشروعَ اقتلاعٍ ممنهجٍ لشعبٍ من أرضِه، و”شرعنةَ” إحلالِ جماعةٍ مكانَه، بقوّةِ الإعلامِ والدبلوماسيّةِ والدمِ.
إنّ محاولاتِ تحويلِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ إلى ملفٍّ “نزاعٍ حدوديٍّ” أو “مشكلةِ لاجئينَ” أو “صراعٍ أمنيٍّ”، هي محاولاتٌ خبيثةٌ لإفراغِها من مضمونِها الحقيقيِّ، قضيّةِ احتلالٍ استيطانيٍّ عنصريٍّ، قام على محوِ وطنٍ، وسرقةِ تاريخٍ، وقلبِ الحقائقِ.
ومن هنا، فإنّ أيَّ اعترافٍ بفلسطينَ لا يُعدّ منّةً من أحدٍ، بل هو تصحيحٌ لخطيئةٍ كبرى، وليس خدمةً لشعبٍ، بل اعترافًا بظلمٍ تاريخيٍّ وجب أن يُحاسبَ مرتكبوُه، لا أن تُكافأ دولتُهم بمزيدٍ من الدعمِ والغطاءِ السياسيِّ.
إنّ الشعوبَ لا تُقاسُ بشرعيّةٍ تمنحُها العواصمُ الغربيّةُ، بل بحقيقتِها على الأرضِ، بصمودِها، بتاريخِها، وبمقاومتِها. وفلسطينُ، بشعبِها الذي لم ينكسر، وبرمزيّةِ القدسِ التي لم تتراجع، هي الدليلُ الحيُّ على أنّ الأرضَ لا تنسى أهلَها، حتى وإن تواطأ العالمُ كلُّه على دفنِهم أحياءَ.
فلسطينُ ليست دولةً جديدةً تبحثُ عن اعترافٍ…
فلسطينُ دولةٌ مغتصبةٌ، وحقٌّ مسلوبٌ، وأصلٌ أُريد له أن يُمحى من الذاكرةِ.
لكنّ الذاكرةَ الحيّةَ لا تموت… ولو بقيت وحدَها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...