أنا ابن سوريا …. أنا ابن التاريخ ..
على طريقة محللي الأهداف الرياضية تعالوا نعيد اللقطة التاريخية – والتي لم تحدث لرئيس قط عربي كان أم أجنبي – وعلى البطيء لنجد أنها حكت الكثير من الكلام ببضع كلمات موجزة … دونالد ترامب ، رئيس الولايات المتحدة الأميركية يهدي فخامة رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع زجاجة عطر …. ولم يقدمها له بعلبتها ، بل فتحها وعطر نفسه فيها أولاً .. وهذه حركة ذكية جداً من ترامب وكأنه يقول بأن العطر آمن .
أو على الأقل ارتضيت لك ما أرتضي لنفسي ، وها نحن نقف رئيسين كتفاً بكتف ينبعث من كلانا العطر ذاته … ثم أنه لم يعطيه العطر ليجربه بنفسه بل عطره بيديه وعطر كذلك معالي وزير الخارجية منادياً إياه : تعال يا وزيري ، ثم صرح عن هدية مماثلة للسيدة الأولى ما معناه أن الهدية ليست بروتوكول سياسي بل تعدت ذلك لتصبح ود عائلي ما بين زوجة ترامب لزوجة الشرع .
ثم يأتي دور فخامة الرئيس كي يشرح عن طبيعة هديته أو بالأحرى الهدايا التاريخية التي قَدِم بها من أقصى الشرق الى أقصى الغرب حاملة معها روح المشرق وشمسها كي تسطعا على الغرب ، هذا كله رأيناه جميعاً وسمعناه جيداً … لكنني أحببت أم أضيء حول ما أثار دهشتي وإعجابي بذكاء شخص الرئيس الشرع ، والذي يتفنن دوماً بارسال الرسائل الصريحة والمشفرة ، ليس عبر الرياضيات فقط بل عبر الهدايا أيضاً ..
هذه الهدايا ليست هدايا مادية لها قيمتها مادياً بل تذهب الى أبعد من ذلك .. هل انتبهتم ماذا قال الرئيس الشرع : أنا أرسلت له أول أبجدية في التاريخ ، وأول ختم صار في التاريخ ، وأول مقطوعة موسيقية صارت في التاريخ … وأول كتابة هيروغليفية صارت في التاريخ … كرسالة واضحة وصريحة لترامب أن من يقف أمامك الآن جاء من هناك … من عمق التاريخ الذي ابتكر أول حروف اللغة كوسيلة تواصل ، فمن سوريا وحدها انطلقت أم اللغات …
وأن من يقف أمامك الآن جاء من هناك … من أول أنغام الموسيقى وباكورتها فسوريا أول من عزفت لحناً للحياة … ولا يزال أول لوح طيني شاهد على براعة وذكاء السوريين الذين دقوا بالمسمار حرفاً هيروغليفياً علّم العالم بأسره أنه لا بد لبني البشر من لغة فيما بينهم ، رسائل رائعة ، رسائل فخمة كفخامة اللحظة ، رسائل لن يغب فهمها على دهاء ترامب وذكائه في إدراك المغزى العميق منها ، هدايا لم تُغلف بورق وعلب فاخرة بقدر ما غُلفت بعنوان واضح وضوح الشمس …. ” انتبه يا ترامب .
هذا الذي يقف أمامك هو ابن الحضارة الأولى وابن الأبجدية الأولى وابن اللحن الأول وابن اللغة الأولى والفن الأول ، ابن سوريا الأصلي وابن سكانها الأصليون لا المحتلون ، وكلما نظرت الى الهدية في نسختها المقلدة سيحدثك التاريخ عني …أنا أحمد الشرع …أنا لست إرهابي قاتلناكم حين وجب القتال ونزعت سلاحي حين وجب السلم ” ودققوا كيف سكن في مكانه لبرهة عندما شاهد وتمعن بالهدية ثم قال : جيد جداً .
حقاً انه لجيد جداً …جيد جداً أن نمتلك الحكمة في كل خطوة وفي كل نقلة … كان بإمكان الرئيس أن يهدي ترامب … شيئاً عربياً … قرآناً عربياً أو سيفاً عربياً …. لكنه أحب أن يُري ترامب أننا أقدم من الإسلام وأقدم من العروبة وبأن ما بداخلنا هو امتزاج حضارات لا تسقط بالتقادم ولا تتآكل بمرور من مروا وذهبوا ، ولا تطمس مهما دأب الطغاة ، ولا يمكن أن يعفو عنا الزمن ….انا ابن التاريخ . … أحمد الشرع … ابن سوريا .


