على أبواب ليلة رأس السنة الميلادية، تتزاحم الشاشات وتضجّ منصّات التواصل الاجتماعي بوجوه باتت مألوفة أكثر من اللازم، ما يُسمّى بـ«المطّلعين» أو «المنجّمين». سباق محموم بين القنوات الفضائية على استضافتهم، وبين الصفحات على ترويج مقاطعهم، وكأنّ العام الجديد لا يطرق الأبواب إلا بإذنهم، ولا يُفتَح إلا بمفاتيح تنبّؤاتهم.
تحوّل هؤلاء من هامش اجتماعي كان يُنظر إليه بعين الريبة أو السخرية، إلى مركز اهتمام إعلامي، تُبنى عليه نسب مشاهدة عالية، وتُستثمر فيه مخاوف الناس وآمالهم.
الأخطر من ذلك، أنّ شريحة واسعة من الجمهور باتت تتعامل مع ما يقولونه بوصفه «حقيقة لا تقبل النقاش»، أو «علماً خفياً» لا يخطئ، حتى كاد الغيب يُختزل في نشرات رأس السنة.
في المجتمعات المأزومة، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، يصبح الإنسان أكثر هشاشة، وأكثر بحثًا عن أيّ نافذة تطمئنه أو تفسّر له ما يجري. هنا، يجد المنجّمون بيئة خصبة، كلام عام، عبارات مطّاطة، سيناريوهات مفتوحة تحتمل كلّ الاحتمالات. فإذا وقع حدث ما، قيل «لقد توقّعناه»، وإذا لم يقع، طُمست النبوءة أو أُعيد تأويلها. لعبة قديمة، لكنّها اليوم تُقدَّم بإخراج عصري، ولغة واثقة، وأضواء كاميرات تمنح الوهم شرعية.
يتحمّل الإعلام قسطًا كبيرًا من المسؤولية. فبدل أن يكون منبرًا للتوعية والنقد، ينجرف بعضه خلف منطق الربح السريع، فيمنح المنجّمين ساعات بثّ طويلة، ويقدّمهم بصفات «خبراء» أو «محلّلين»، من دون أي مساءلة علمية أو أخلاقية. وهكذا، يُسوَّق الوهم على أنّه معرفة، ويُخلَط التنجيم بالتحليل، والخرافة بالخبر.
أما على مستوى الوعي الديني والثقافي، فالمسألة أكثر خطورة. فالتعلّق بالتنجيم ليس مجرّد تسلية موسمية، بل انزلاق فكري يمسّ جوهر الإيمان والعقل معًا.
في الثقافة الإسلامية، الغيب لله وحده، لا يشاركه فيه نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب، فكيف بإنسان يدّعي قراءة النجوم أو الأرقام؟ وفي البعد الإنساني العام، فإنّ الارتهان لهذه التنبؤات يعطّل العقل، ويُضعف روح المبادرة، ويحوّل الإنسان إلى كائن ينتظر ما «كُتب له» على لسان منجّم، بدل أن يصنع واقعه بوعيه وجهده.
الأكثر إيلامًا أنّ كثيرين لا يكتفون بالاستماع، بل يبنون قراراتهم المصيرية على هذه التوقّعات (زواج، سفر، استثمار) أو حتى خوف دائم من كارثة «مُتوقَّعة». هنا، يتحوّل التنجيم من مادة إعلامية إلى أداة تحكّم نفسي، تُقيّد الإنسان بالخوف أو الوهم، وتسرق منه حقّه في الاختيار الحرّ.
ولعلّ أخطر ما في الأمر، أنّ هذه الظاهرة لم تعد مجرّد رأي فردي، بل تحوّلت إلى قصص حقيقية تتكرّر بأشكال مختلفة. سليم شابّ كان يستعد للهجرة بعد أن أتمّ كل معاملاته وباع جزءًا من ممتلكاته، تراجع في اللحظة الأخيرة بعدما سمع أحد المنجّمين يحذّره من «خطر كبير في السفر خلال الأشهر الأولى من العام». ألغى رحلته، وضاعت فرصة عمل حقيقية، فيما لم يتحقّق شيء ممّا قيل، سوى الخسارة.
أمّا سعاد فقد عاشت عامًا كاملًا أسيرة توقّعات رأس السنة، تربط كلّ حدث أمني أو اقتصادي بما سمعته على شاشة التلفاز. لم تقع الكارثة التي انتظرتها، لكن القلق الدائم أنهكها نفسيًا، وحوّل حياتها إلى ترقّب متواصل، وكأنّها تعيش في ظلّ أحداث لم تقع أصلًا.
فيما تراجع وليد عن شراكة واعدة لأنّ «النجوم لا تنصح بالمخاطرة هذا العام»، كما قيل له. مضى شريكه في المشروع ونجح، وبقي هو مكانه، لا لأنّ الدراسة الاقتصادية كانت خاطئة، بل لأنّ قرارًا مصيريًا اتُّخذ بناءً على جملة عابرة في برنامج موسمي.
هذه القصص ليست استثناءً، بل نماذج عن أثر التنجيم حين يتحوّل من كلام عابر إلى مرجعية نفسية وفكرية. من هنا، فإنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالإنكار السطحي أو السخرية وحدها، بل ببناء وعي نقدي حقيقي، وعي يميّز بين التحليل القائم على معطيات، وبين التنبؤ القائم على التخمين؛ بين الإيمان بالغيب، وبين استغلال الغيب؛ وبين الإعلام المسؤول، والإعلام المتواطئ مع الخرافة.
مع حلول عام جديد، لعلّ السؤال الأجدر أن نطرحه ليس: «ماذا قال المنجّمون؟»، بل: ماذا نريد نحن؟ وأيّ مستقبل نصنعه بعقولنا وأيدينا؟ فالأعوام لا تُبنى على الأبراج، بل على الوعي، ولا يُغيّر مسارها من يقرأ النجوم، بل من يقرأ الواقع ويعمل على تغييره.


