المعروف عن المحلل السياسي الأمريكي الشهير توماس فريدمان انه صديق لنتنياهو ومؤيد الى ابعد الحدود لـ “إسرائيل” خصوصاً انه يهودي الديانة. ويبدو ان هذا اليهودي فريدمان قد “بلغ السيل الزبى” عنده (ظاهرياً) من سلوكيات نتنياهو السياسية في قطاع غزة ونراه في الفترة الأخيرة يوجه سهامه النارية بقوة الى صدر نتنياهو في مقاله الأسبوعي في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وهو الذي تعتبره “إسرائيل” ابنها المدلل إعلاميا وسياسياً. حتى هذا الابن لم يعد يتحمل ما يفعله نتنياهو، حسب ادعائه.
قد يكون من واجبنا (على الأقل في هذه الفترة) ان نقول لتوماس فريدمان شكرا. لكن ليس مهما أن نسمع من فريدمان ما يفعله نتنياهو في غزة لأننا نعرف ذلك، ليس مهماً أن نسمع من فريدمان عن الخطر الذي يشكله نتنياهو على المنطقة بما فيها اسرائيل نفسها، لأننا نعرف ذلك. والسؤال الأهم مستر فريدمان: ماذا بعد هذه الانتقادات؟ فريدمان وغيره من المحللين الغربيين الذين ينتقدون نتنياهو هذه الأيام، يعرفون أن نتنياهو “متمسح” يعني غير مبال ولا يهمه أحد، ولا يهمه من يهاجمه ولا يهمه من ينتقده لا محلياً ولا عالمياً. ما يهمه هو فقط المنصب.
لم نسمع من فريدمان (لو كان جاداً في هجومه على نتنياهو) أي اقتراح منه لرئيسه ترامب لمعاقبة نتنياهو. لم نسمع منه أية مبادرة لإبعاد نتنياهو عن الحكم. كل ما سمناه منه هو كلام انتقادي لا يقدم ولا يؤخر وليس من المستبعد ان يكون انتقاد فريدمان لنتنياهو بهذا الشكل الهجومي الكبير هو من أجل انقاذ إسرائيل ليس أكثر. في الجزء التاسع من المسلسل التركي الشهير “وادي الذئاب” وفي الحلقة السادسة يسأل أحدهم مسؤول بريطاني عن “سبب اعتراف المجلس البريطاني بدولة فلسطين في اجتماعه الاخير؟ فيجيبه المسؤول بكل وقاحة:” الاعتراف هو فقط لإسكات المسلمين في المنطقة وهو بالدرجة الأولى لصالح إسرائيل.” وهذا ما ينطبق بالضبط على انتقادات فريدمان لنتنياهو.
في مقاله يرسم الكاتب فريدمان صورة قاتمة لمستقبل إسرائيل تحت حكم نتنياهو المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية. صحيح ان فريدمان يطالب بالتوقف عن تجاهل معاناة الفلسطينيين، لكنه بالموازاة لذلك يدعو الغرب الى انقاذ إسرائيل من نتنياهو. مرة أخرى يدور ويلف فريدمان ويتلاعب بالصياغات من أجل إسرائيل.
فر يدمان صب جام غضبه على أبناء جلدته في حكومة نتنياهو ولا سيما بن غفير وسموتريتش حيث يقول فريدمان في مقاله:” ان هؤلاء الوزراء، يسعون إلى ملء الضفة الغربية بالمستوطنات لمنع نشوء دولة فلسطينية.“هنا وقع فريمان في خطأ فاحش ولا أستبعد أن يكون مقصوداً. فهؤلاء “لا يسعون” بل سعوا وعملوا على نشر المستوطنات.
يقول فريدمان ” ان العالم لم يعد قادرا على غض الطرف عن الخسائر المدنية الفلسطينية الهائلة، ونتنياهو جعل الحرب تبدو بوضوح وكأنها محاولة لمدّ الاحتلال من الضفة الغربية إلى غزة.” مستر فريدمان عبقري في التلاعب بالكلام: فهو يتهم العالم بغض الطرف عما يجري في غزة والآن يحاول فريدمان ذر الرماد في العيون ويريد اقناعنا بأن العالم صحى من نومه. لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً فالعالم يرى ويسمع ما يجري في غزة لكنه “مطنش” لا يبالي والأمم المتحدة ومجلس الأمن عاجزان عن وقف إسرائيل لحربها على غزة. فعن أي عالم يتحدث فريدمان؟
في فقرة أحرى من مقاله، الذي يعتبره الساذجون انه مقال لجانب غزة ضد نتنياهو، يعرب الكاتب بكل وضوح عن خشيته من تشرذم يهودي بسب نتنياهو. فهو يقول في مقاله:” أن الحرب تهدد بتمزيق وحدة الجاليات اليهودية في الشتات.”
بقي علينا القول ان الكاتب الأمريكي فريدمان بدأ غرامه ب”إسرائيل” في سن مبكرة بعد زيارته لها في ديسمبر 1968، وقضى فترات الصيف خلال سنوات الثانوية في مستوطنة هوتريم بالقرب من حيفا، ووصف تلك السنوات بأنها “كانت احتفالاً كبيراً بانتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة.“
فكيف يمكن ان يكون شخص بهذه الصفات مثل فريدمان بين ليلة وضحاها ضد “إسرائيل”، وهو الذي حصل أيضا على وسام الإمبراطورية البريطانية من قبل الملكة إليزابيث الثانية، وسام من بريطانيا صاحبة وعد بلفور المشؤوم؟
لا تصدقوا فريدمان فهو أمريكي (يهودي) مخادع يتلاعب بالكلام لحماية إسرائيل وليس ضدها


