ليس ضرورياً أن أكون سنياً كي أشعر أنني معنيّ باتحاد جمعيات العائلات البيروتية. يكفيني أن أكون بيروتياً. وربما هنا تكمن المسألة كلها.
أنا بيروتي روم أرثوذكس، ومع ذلك أشعر بأن هذا الاتحاد، بما يمثله من حضور اجتماعي وأهلي، وما يثيره من نقاش واهتمام، يعنيني كما يعني كل من يرى في بيروت أكثر من مجرد مدينة: هويةً وذاكرةً وقيماً ونمط حياة ورسالة.
تأسس اتحاد جمعيات العائلات البيروتية عام 1998، وقد فكرة تأسيسه عملياً في كنف الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وقد أراد له مؤسسوه أن يكون إطاراً يجمع العائلات البيروتية ويوحّد جهودها ويهتم بشؤون أبنائها وبقضايا العاصمة. ويضم اليوم عشرات الجمعيات العائلية البيروتية، ومن بينها عائلات عريقة ومعروفة في تاريخ العاصمة.
وتعاقب على رئاسة الاتحاد منذ تأسيسه البروفسور وفيق سنو، ثم محمد الأمين عيتاني، ورياض الحلبي، ومحمد خالد سنو، والدكتور فوزي زيدان، ومحمد عفيف يموت، وصولاً إلى الرئيس الحالي محيي الدين كشلي الذي انتُخب في حزيران 2023.
لكن أهمية الاتحاد لا تختصر في عدد الجمعيات التي يضمها، ولا في أسماء رؤسائه، ولا حتى في نشاطاته الاجتماعية. فالاتحاد، تاريخياً، كان إحدى المساحات التي عبّرت فيها بيروت عن نفسها، وتناقشت في شؤونها، وتابعت قضاياها الإنمائية والاجتماعية والتربوية، وكرّمت أبناءها وشخصياتها، وحاولت أن تكون لها كلمة في كل ما يتصل بمستقبل العاصمة.
ومن هنا، لا أستطيع أن أفصل الاتحاد عن رفيق الحريري.
فالرجل الذي شهد ولادة هذا الإطار البيروتي لم يكن، في نظر كثيرين من أبناء العاصمة، مجرد رئيس حكومة أو زعيم سياسي. كان ابن بيروت بامتياز، وآمن بأن قوة المدينة لا تقوم على الانغلاق داخل الطوائف، بل على قدرتها على جمع اللبنانيين حول فكرة الدولة والاعتدال والانفتاح والعيش المشترك. وهذا تحديداً هو الإرث الذي يجعلني، كمسيحي بيروتي، أشعر أن اتحاد العائلات يعنيني.
قد يقول قائل: لكنه اتحاد للعائلات البيروتية السنية. نعم، هذه حقيقة واقعية في تركيبته الحالية. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: من ينتسب إلى الاتحاد؟ بل: لمن يريد الاتحاد أن يكون؟
وهنا تأتي أهمية الاستحقاق الإداري المقبل.
فالانتخابات ليست مجرد تنافس على مواقع داخل هيئة إدارية. إنها فرصة لمراجعة المسار والعودة إلى الأصل. والعودة إلى الأصل لا تعني إلغاء خصوصية الاتحاد أو إنكار طبيعته الاجتماعية، بل تعني استعادة الروح التي قامت عليها الفكرة: جمع البيارتة، الدفاع عن بيروت، صون تراثها، متابعة قضاياها، وتقديم نموذج أهلي قادر على تجاوز الاصطفافات السياسية والحسابات الضيقة.
لقد أثبت الاتحاد في السنوات الأخيرة أنه لا يزال حاضراً في المشهد البيروتي. من تكريم الطلاب المتفوقين، إلى متابعة الملفات الاجتماعية والتربوية، إلى اللقاءات مع المسؤولين والمرجعيات، وصولاً إلى امتلاك مقر خاص به، أصبح للاتحاد حضور مؤسساتي متزايد.
لكن الحضور وحده لا يكفي. بيروت تحتاج إلى اتحاد يتقدم عليها بخطوة، لا إلى اتحاد يكتفي بمواكبة ما يحدث حوله.
تحتاج إلى اتحاد يبادر في ملفات المدينة، في ثقافتها، وبيئتها، وتعليمها، وتراثها، واقتصادها، وشؤون شبابها، وفي الدفاع عن حق أبنائها في مدينة عادلة وحيوية وقابلة للحياة.
والأهم، تحتاج إلى اتحاد لا يشعر المسيحي البيروتي فيه أنه “ضيف”، ولا يشعر أي بيروتي بأنه خارج البيت.
هذه ليست دعوة إلى تغيير اسم الاتحاد أو طبيعته القانونية، بل إلى توسيع روحه. فبيروت لم تكن يوماً مدينةً مغلقة على جماعة. بيروت كانت، وستبقى، مدينة التلاقي.
ولهذا، أقول للاتحاد، من موقع البيروتي الذي يشعر أنه معني به رغم اختلاف طائفته: عودوا إلى بيروت، عودوا إلى روح رفيق الحريري، إلى بيروت الاعتدال والانفتاح والعيش الواحد. اجعلوا من مقركم الجديد بيتاً لكل البيارتة، ومن انتخاباتكم المقبلة بداية مرحلة جديدة، لا مجرد تبديل أسماء.
فالاتحاد الذي يحمل اسم العائلات البيروتية يستطيع أن يكون أكبر من العائلات، وأوسع من الطوائف، وأقوى من الاصطفافات.
وإذا كان للاتحاد من رسالة تستحق أن تُحمل اليوم، فهي ببساطة: أن تكون بيروت أولاً… وأن يكون كل بيروتي جزءاً من هذه الـ”أولاً”.


