بعد مرور سنوات على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، لا يزال السؤال الجوهري مطروحاً: هل كان الانفجار نتيجة إهمال داخلي، أم بفعل خارجي، أم نتيجة تفاعل معقد بين العاملين؟ وفي ظل استمرار الجدل، برزت فرضية قانونية وسياسية تتمثل بإمكان مطالبة لبنان الدول التي كانت أقمارها الاصطناعية ترصد شرق المتوسط بتسليمه الصور الملتقطة قبل الانفجار وأثناءه وبعده مباشرة، باعتبارها دليلاً علمياً قد يحسم جانباً مهماً من التحقيق.
قانونياً، لا يوجد في القانون الدولي نص يُلزم دولة بتسليم دولة أخرى صوراً التقطتها أقمارها الاصطناعية. إلا أن ذلك لا يعني غياب الأساس القانوني للمطالبة بها.
فـمعاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي لعام 1967 (Outer Space Treaty) كرست مبدأ استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية ولصالح البشرية جمعاء، كما أوجبت التعاون الدولي في استكشاف الفضاء (المادتان الأولى والثالثة). صحيح أن المعاهدة لا تنص على إلزام الدول بكشف المعلومات الاستخباراتية أو الصور الفضائية، لكنها تؤسس لواجب عام بالتعاون عندما تكون المعلومات ضرورية لتحقيق العدالة أو حماية الأمن الإنساني.
كما أن مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالاستشعار عن بعد للأرض بواسطة الأقمار الاصطناعية لعام 1986 (UN Principles Relating to Remote Sensing of the Earth from Space)، أقرت بأن للدولة التي يتم تصوير إقليمها حقاً في الوصول إلى البيانات المتعلقة بها “على أساس غير تمييزي وبكلفة معقولة”. غير أن هذه المبادئ لا تبلغ مرتبة المعاهدة الملزمة، وتبقى ذات طبيعة توجيهية، مع ترك هامش واسع للدول المالكة للأقمار الاصطناعية للاحتفاظ بالبيانات ذات الطبيعة الأمنية أو العسكرية.
من الناحية الإجرائية، يستطيع لبنان اتباع أكثر من مسار قانوني.
أولاً، يمكن لقاضي التحقيق العدلي أو النيابة العامة التمييزية، عبر وزارة العدل ووزارة الخارجية، توجيه طلبات مساعدة قضائية دولية (Mutual Legal Assistance Requests) إلى الدول المعنية، استناداً إلى الاتفاقيات الثنائية أو إلى مبدأ التعاون القضائي الدولي في القضايا الجزائية.
ثانياً، يمكن للحكومة اللبنانية أن تطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، إذا ارتأت أن الانفجار يمس السلم والأمن الدوليين، المساعدة في الحصول على الأدلة التقنية المتوافرة لدى الدول الأعضاء.
ثالثاً، يمكن للبنان أن يطلب تشكيل لجنة تحقيق دولية أو آلية تقصي حقائق، على غرار ما حصل في عدد من الجرائم الدولية الكبرى، بحيث يكون من ضمن صلاحياتها طلب الصور الفضائية وتحليلها.
كما يمكن الاستفادة من التعاون مع وكالات فضائية مدنية، مثل وكالة الفضاء الأوروبية أو الشركات التجارية المالكة للأقمار الاصطناعية، إذا كانت لا تزال تحتفظ بالأرشيف الزمني لذلك اليوم، وإن كانت دقة الصور المدنية غالباً أقل من تلك العسكرية.
عملياً، كانت عدة دول تمتلك في آب 2020 أقماراً اصطناعية تغطي منطقة شرق المتوسط بصورة مستمرة أو شبه مستمرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، والصين، وإسرائيل، إضافة إلى منظومات أوروبية مشتركة مثل كوبرنيكوس (Copernicus)، فضلاً عن شركات تجارية أميركية وأوروبية كانت تشغل أقماراً عالية الدقة.
لكن السؤال الأهم هو: هل يشكل غياب هذه الصور نقصاً جوهرياً في التحقيق اللبناني؟
الجواب القانوني هو نعم، ولكن مع التحفظ. فالصور الفضائية لا تثبت وحدها المسؤولية الجزائية، لكنها قد تحسم مسائل أساسية، منها:
- تحديد ما إذا سبق الانفجار أي نشاط جوي أو بحري غير اعتيادي.
- رصد وجود انفجار أولي أو ضربة خارجية من عدمها.
- تحديد توقيت تسلسل الانفجارات بدقة زمنية.
- مطابقة النتائج مع تسجيلات الكاميرات المحلية والبيانات الزلزالية وتقارير الخبراء.
وبذلك تصبح الصور دليلاً تقنياً مستقلاً يعزز أو ينفي فرضيات قائمة، وهو ما يجعلها ذات قيمة إثباتية عالية في التحقيق.
وقد شهدت سوابق دولية الاستعانة بصور الأقمار الاصطناعية في التحقيقات، منها إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية MH17 فوق أوكرانيا عام 2014، والانفجارات الكيميائية في سوريا، والانفجارات النووية في كوريا الشمالية، إضافة إلى عدد من الكوارث الصناعية والبيئية، حيث استخدمت الصور الفضائية لتحديد مواقع الانفجار، واتجاه الموجات الانفجارية، وحركة الأشخاص والمركبات.
في المقابل، لا يوجد التزام قانوني يجبر الدول المالكة للأقمار العسكرية على الكشف عن صورها، لأن هذه الصور غالباً ما تخضع لقواعد السرية المتعلقة بالأمن القومي والاستخبارات العسكرية. وهنا يتداخل القانون مع السياسة.
فقد تمتنع دولة عن تسليم الصور خشية كشف قدراتها التقنية، أو مصادر جمع المعلومات، أو لأن نشرها قد يمس مصالح حلفائها أو عملياتها العسكرية. ومن هذه الزاوية، لا يمكن استبعاد أن تكون الحسابات السياسية الأميركية أو الإسرائيلية، أو حتى الروسية أو غيرها، عاملاً في الامتناع عن نشر أي صور، إذا كانت موجودة أصلاً. غير أن هذا يبقى في إطار الاحتمال السياسي، وليس حقيقة قانونية مثبتة، إذ لم يصدر حتى اليوم دليل علني يثبت وجود قرار أميركي أو إسرائيلي بمنع الدول الأخرى من تزويد لبنان بهذه الصور. إلا أن دور إسرائيل في هضم الحقائق، خصوصاً متى كان لها دور مؤثر فيها، مرجح جداً، بل شبه مؤكد.
كما أن بعض الدول قد تكون ببساطة لا تملك صوراً بالدقة أو التوقيت المطلوبين، أو تكون قد أتلفت الأرشيف وفق سياساتها الداخلية للاحتفاظ بالبيانات.
وفي المحصلة، يمتلك لبنان أساساً قانونياً معقولاً للمطالبة بالحصول على الصور الفضائية، استناداً إلى مبادئ التعاون الدولي، والمساعدة القضائية، وحق الدولة في الوصول إلى الأدلة المتعلقة بجريمة وقعت على إقليمها. لكنه لا يملك وسيلة قانونية قسرية تُلزم الدول المالكة للأقمار الاصطناعية بالكشف عنها، ما يجعل نجاح الطلب رهناً بالإرادة السياسية للدول المعنية.
ومع ذلك، فإن العدالة في قضية بحجم انفجار مرفأ بيروت تفرض، قانوناً وأخلاقياً وإنسانياً، أقصى درجات التعاون الدولي. فإذا كانت صور الأقمار الاصطناعية موجودة وقادرة على كشف جزء من الحقيقة، فإن حجبها لا يحرم القضاء اللبناني من دليل محتمل فحسب، بل يحرم آلاف الضحايا وذويهم من حق أصيل كرسته المواثيق الدولية، هو الحق في معرفة الحقيقة، وهو حق بات يشكل أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. فالحقيقة ليست امتيازاً سياسياً تمنحه الدول، بل شرطاً لازماً لتحقيق العدالة وصون الثقة بالقانون الدولي نفسه.


