الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
9°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الاعتدال كخديعة سياسية

في كل مرحلة من مراحل الانهيار السياسي في منطقتنا، يظهر من يدعو إلى “عقلنة الطائفية” بدل تفكيكها. يُطرح علينا اليوم مجدداً خيارٌ يبدو للوهلة الأولى متّزناً: مواجهة التطرّف السني الراديكالي بنخبة سنية معتدلة “توازن” الصورة و”تطمئن” الأقليات. لكن هذا الطرح، رغم ما فيه من منطق ظاهري، ليس إلا إعادة إنتاج للفخ الذي أوقع المنطقة في صراعاتها: أي الرد على الطائفية من داخل منطقها ذاته.

لقد جُرّبت هذه الوصفة مراراً: في لبنان بعد اتفاق الطائف، حيث تحوّلت الدولة إلى محاصصة طائفية دائمة؛ وفي العراق، حين قُسّمت النخب الشيعية إلى “معتدلة” و”راديكالية” دون مغادرة مستنقع المحاصصة؛ وفي البحرين، حيث رُوّج لمعارضة شيعية “معتدلة” سرعان ما أُقصيت؛ وكذلك في اليمن، حين جرت “عقلنة” الحوثيين ثم تحوّلوا إلى ذراع حرب. أما في سورية ، فيُعاد اليوم إنتاج الفكرة نفسها: نخبة سنية “معتدلة” تواجه المتشددين، لا نخبة مدنية تواجه منطق التطييف.

هذا التوجّه لا ينهي الصراع، بل يرسّخه، ويعيد إنتاجه وفق ميزان القوى الطائفية ذاته. بل ويؤسس لمرحلة دائمة من المحاصصة، يصبح فيها “السنة المعتدلون” هم الممثلين المقبولين عن السنة، بدلاً من “السنة المتطرفين” – وكل ذلك دون الاقتراب من أصل المعضلة البنيوية: فالتفريق بين “المعتدل” و”غير المعتدل” لا يستند إلى أي معيار واضح أو متّفق عليه. من يحدّد الاعتدال؟ هل هو الموقف من العنف؟ من الشريعة؟ من الأقليات؟ من العلاقة مع الغرب؟ كل إجابة تقود إلى مزيد من الالتباس لا إلى الحل.

بل إن هذا التصنيف يعيد إنتاج الهوية السياسية على أسس مذهبية، لا على أساس البرامج والرؤى والانحياز الوطني. فيتحوّل “الاعتدال” إلى وظيفة ظرفية تُمنح وتُسحب حسب المصالح، لا حسب المبادئ.

حين نقول إن الحل يجب أن يأتي من خارج منطق الطائفية السياسية، فنحن لا نتجاهل الواقع المركّب للمجتمع السوري، ولا ننكر وجود هويات فرعية عميقة. لكننا نرفض أن تُدار هذه التعدديات بمنطق “الممثلين الطائفيين”، وكأن الحل لا يكون إلا بنسخة ناعمة من الكيانات المذهبية. وغالباً ما تنتهي هذه النخب إلى أحد مسارين: إما التواطؤ والاندماج اللاحق مع من تزعم مواجهتهم، أو العجز عن إنتاج مشروع وطني جامع، فيصطدم كل “ممثل طائفي” ببقية “الممثلين” لأنهم جميعاً أولاد النظام الطائفي ذاته.

المطلوب ليس “سنة معتدلين في وجه سنة متطرفين”، ولا “علويون عقلاء في وجه متمسكين بالسلطة”، ولا “دروز توافقيون في مواجهة دروز رافضين”، ولا “أكراد وطنيون في وجه أكراد انفصاليين”. المطلوب هو قوى مدنية حقيقية، تنشأ من وجدان الناس، وتعبر عن مصالحهم وأحلامهم، لا من صناديق التمويل أو التفاهمات الإقليمية. قوى تطرح بديلاً معرفياً وأخلاقياً وثقافياً ومنهجياً للمنطق السائد.

الردّ على طائفية السلطة لا يكون بطائفية “معتدلة”، بل بمشروع مدني عابر للهويات المغلقة، يحاكم منطق الطائفية ذاته ويرفضه، أياً كان الطرف الذي يتبنّاه. وما نحتاجه لتحقيق ذلك هو إعادة تعريف السياسة بوصفها فعلًا مدنياً جامعاً نبيلاً، لا تمثيلاً لفئات مذهبية. سياسة تحكم باسم الصالح العام، لا باسم الطائفة والعشيرة. تبني سلطة القانون، لا توازنات الطوائف. وتقوم على عقد مواطنة بين الأفراد والدولة، لا بين الطائفة والسلطة.

إن بناء هذا البديل ليس طريقاً سهلاً ولا سريعاً، لكنه الطريق الوحيد القابل للاستمرار. ومن يظن أن الطائفية يمكن ترويضها، سيكتشف متأخراً أنها لا تلد إلا نفسها.

‎سوريا_لك_السلام

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...