الأحد، 6 سبتمبر 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من كركوك إلى طرابلس : هل يفوّت لبنان فرصة إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة؟

في الشرق الأوسط اليوم، لم يعد النفط مجرد سلعة تُنقل من حقل إلى مصفاة.
أصبح النفط مسألة جغرافيا وأمن قومي وسيادة على طرق التجارة.

العراق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة هائلة على النفط، اكتشف خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة أن الاعتماد على طريق واحد للتصدير يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. ولذلك بدأ يبحث بجدية عن منافذ بديلة، بينها خط يصل إلى بانياس السورية، إلى جانب طرق أخرى عبر تركيا والأردن. والمشروع المقترح مع سوريا قد تصل كلفته إلى نحو 15 مليار دولار، فيما تحتاج عملية إنشائه إلى نحو أربع سنوات وفق تقديرات حديثة.

وهنا تبدأ قصة طرابلس اللبنانية.

عندما كان النفط العراقي يصل إلى طرابلس

لبنان لم يكن خارج خريطة النفط الإقليمية.

منذ الثلاثينيات، كان ميناء طرابلس النفطي يستقبل النفط العراقي عبر شبكة أنابيب تعبر سوريا. وفي عام 1961 اكتمل خطا الـ30 والـ32 إنشاً، وكانت منشآت طرابلس تمتلك تاريخياً قدرة ضخ قصوى تبلغ نحو 900 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 120 ألف طن يومياً.

وفي عام 1940 أنشئت مصفاة طرابلس بطاقة تقارب 21 ألف برميل يومياً لتكرير النفط العراقي القادم عبر الأنابيب. لكن الحرب اللبنانية وظروف التشغيل أدت إلى توقف المصفاة نهائياً عام 1992.

وهنا السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم:

هل انتهى دور طرابلس لأن النفط توقف عن الوصول إليها، أم أن لبنان هو الذي توقف عن التفكير في الدور الذي يمكن لطرابلس أن تلعبه؟

العالم يعيد حساباته النفطية

الأحداث الإقليمية الأخيرة أعادت إلى الواجهة قيمة الممرات البديلة.

مضيق هرمز كان ولا يزال أحد أهم الاختناقات النفطية في العالم، وقد أدت الحرب والتوترات الأخيرة إلى اضطراب حركة الناقلات فيه. وفي الأول من أيلول 2026 تعرضت ناقلتا نفط سعوديتان عملاقتان لهجوم أثناء عبورهما المنطقة، في مؤشر جديد على أن أمن الممرات البحرية لم يعد مسألة نظرية.

وهنا تكمن أهمية الأنبوب.

ناقلة VLCC واحدة تحمل عادةً حوالي مليوني برميل من النفط الخام. أي أن شحنة سفينة واحدة تعادل كمية ضخمة جداً من النقل البري، وتصل قيمتها بمئات ملايين الدولارات بحسب سعر النفط.

أما الـULCC، وهي أكبر من الـVLCC، فيمكن أن تحمل نحو 2 إلى 3.7 ملايين برميل، لكنها أقل انتشاراً بسبب متطلبات الموانئ والمنشآت اللازمة لاستقبالها.

هذه الأرقام لا تعني أن الناقلات ستختفي.

بل تعني شيئاً أكثر أهمية:

الدول المنتجة بدأت تبحث عن تعدد طرق الوصول إلى الأسواق.

وهذا بالضبط ما يفعله العراق اليوم.

العراق يبحث عن طريق لا يمر فقط عبر الخليج

صادرات العراق النفطية تعرضت خلال الأزمة الأخيرة لضغوط كبيرة بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وفي آب 2026 ارتفعت صادرات العراق إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الأزمة التي تجاوزت 3.3 ملايين برميل يومياً.

لذلك فإن بغداد لا تنظر إلى خط كركوك–بانياس باعتباره مجرد وسيلة لنقل النفط.

إنها تنظر إليه باعتباره تأميناً استراتيجياً لمستقبل صادراتها.

وإذا كان العراق مستعداً لاستثمار مليارات الدولارات في فتح منفذ إضافي إلى المتوسط، فإن السؤال اللبناني يصبح أكثر إلحاحاً:

أين طرابلس؟

لماذا بانياس نعم وطرابلس لا؟

هنا تكمن المفارقة.

بانياس اللبنانية؟ لا، بانياس السورية.

أما طرابلس اللبنانية، فلديها تاريخ نفطي، ومصب، وخزانات، وموقع على المتوسط، وآثار شبكة الأنابيب القديمة، ومنشآت قائمة، وخبرة تاريخية في استقبال وتخزين المنتجات النفطية.

أي أن لبنان لا يبدأ من الصفر.

المطلوب ليس إعادة تشغيل مصفاة عمرها عشرات السنين كما كانت.

بل إعادة تعريف وظيفة طرابلس النفطية بالكامل.

يمكن التفكير في طرابلس كمركز إقليمي لاستقبال وتخزين وتداول النفط ومشتقاته، مع إعادة تأهيل البنية التحتية، وربطها مستقبلاً بشبكات الأنابيب الإقليمية، وإنشاء قدرات تكرير حديثة إذا أثبتت الدراسات الاقتصادية جدواها.

فالمشكلة ليست أن لبنان لا يملك مصفاة حديثة.

المشكلة أنه يملك أصلاً استراتيجياً لم يُستثمر فيه بما يكفي.

طرابلس ليست مصفاة فقط

وهذه نقطة جوهرية.

إذا وصل النفط العراقي إلى المتوسط عبر سوريا، فإن لبنان يستطيع أن يبحث عن موقع له في هذه المنظومة، ليس بالضرورة كمنافس لبانياس، بل كمكوّن إضافي في شبكة إقليمية أوسع.

التخزين، النقل، الخدمات البحرية، الترانزيت، صيانة الأنابيب، الخدمات النفطية، الصناعات المرتبطة بالطاقة، ومراكز توزيع المشتقات؛ كلها قطاعات يمكن أن تولّد قيمة اقتصادية.

وهنا يمكن أن يتحول الاستثمار في منشآت طرابلس من عبء على الدولة إلى أصل منتج للإيرادات.

والأهم أن تمويل هذا التحول لا يجب أن يأتي بالضرورة من خزينة الدولة المفلسة.

يمكن طرح المشروع أمام مستثمرين دوليين وفق نموذج PPP، مع امتيازات تشغيل طويلة الأمد وضمانات قانونية واضحة، فيما تبقى الأصول الاستراتيجية ملكاً للدولة اللبنانية.

الفرصة أكبر من النفط

إذا نظرنا إلى الخريطة، نجد أن الشرق الأوسط يعيد بناء ممراته.

العراق يبحث عن طرق إلى المتوسط وتركيا والأردن.

دول الخليج تبحث عن طرق لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز.

والشركات العالمية تبحث عن ممرات أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً للمخاطر.

وفي هذا المشهد، فإن موقع لبنان على المتوسط يمكن أن يتحول من موقع جغرافي مهمَل إلى ميزة اقتصادية واستراتيجية.

لكن الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.

فإذا بنت بغداد خطها إلى بانياس، وطورت سوريا منشآتها، واستثمر الآخرون في ممرات بديلة، بينما بقي لبنان يراقب، فقد يستيقظ بعد سنوات ليكتشف أن الممرات الجديدة مرت من حوله.

وهنا لا يعود السؤال:

لماذا لا تعيد الحكومة تشغيل مصفاة طرابلس؟

بل السؤال الأخطر:

لماذا لا تملك الحكومة اللبنانية حتى الآن استراتيجية واضحة لطرابلس كمركز طاقة إقليمي؟

لبنان لا يحتاج إلى اختراع ثروة جديدة

قد لا تكون إعادة تشغيل المصفاة القديمة بقدرتها السابقة مجدية اقتصادياً. وهذا أمر يجب أن تقوله أي دراسة جدوى مستقلة بوضوح.

لكن عدم جدوى إعادة تشغيل مصفاة عمرها أكثر من ثمانية عقود لا يعني عدم جدوى الموقع.

العكس تماماً.

قد تكون القيمة الحقيقية في تحويل الموقع من «مصفاة متوقفة» إلى منصة طاقة ولوجستيات حديثة.

وهنا تصبح طرابلس جزءاً من معادلة أكبر:

العراق يمتلك النفط.
سوريا تمتلك موقع العبور.
ولبنان يمتلك منفذاً على المتوسط وبنية نفطية تاريخية.

فلماذا لا يجلس الثلاثة إلى طاولة واحدة؟

هذه ليست دعوة إلى الحنين إلى الماضي.

إنها دعوة إلى قراءة الجغرافيا الجديدة للشرق الأوسط.

فالنفط الذي كان يصل إلى طرابلس في الستينيات لم يكن يعرف الحدود السياسية كما نعرفها اليوم؛ كان يبحث عن أقصر طريق إلى البحر والأسواق.

واليوم، في زمن الحروب وإغلاق الممرات وارتفاع مخاطر النقل البحري، عادت الجغرافيا لتصبح جزءاً من الاقتصاد.

وقد تكون طرابلس أمام فرصة تاريخية لاستعادة دورها.

لكن الفرص لا تنتظر الحكومات طويلاً.

لبنان لا يحتاج إلى اختراع ثروة جديدة.
قد يحتاج فقط إلى أن يكتشف قيمة الأصول التي تركها مهملة منذ عقود.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم على الحكومة اللبنانية ليس:

«هل نستطيع إعادة تشغيل مصفاة طرابلس؟»

بل:

«كم ستكلّفنا فرصة عدم إعادة تشغيل دور طرابلس؟»

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بطل من بلادي اسمه عبد الهادي ناصف

في جلسة، (ولا أروع وأدسم) جمعتني ظهر السبت بالأستاذ حسن صبرا، عرج بنا الحديث إلى (عبد الهادي ناصف)، بدأ أبو أحمد الكلام، ثم توقف، وغص وبكى.. لا أتذكر مرة من مئات المرات التي جلست...

خطة سرية للعودة إلى مصر.. عبد الرحيم علي يكشف مخطط الإخوان وتحركات «حكومة الإنقاذ»

كشف الكاتب الصحفي والباحث السياسي الدكتور عبد الرحيم علي، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس، عن تفاصيل تحركات ومخططات قال إن جماعة الإخوان المسلمين تقف وراءها، بهدف إعادة ترتيب...

الصين -مصر : إعادة توازن أم شراكة اقتصادية؟

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في 1 أيلول 2026 في أول زيارة له إلى مصر منذ 10 سنوات، . الزيارة التي تستمر 3 أيام، وتتزامن مع الذكرى الـ70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية،...

عمرو ناصف يكتب عن حسن صبرا

في جلسة طويلة بيني وبين الأستاذ والصديق الراحل جوزيف سماحة، خصصناها لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع إطلاق جريدة (الأخبار)، عام 2006، استعرضنا وناقشنا آراء وملاحظات نخبة كبار...

الرئيس بري في ذكرى الإمام الصدر: ثوابت وطنية وخريطة طريق للخروج من الأزمة الدولة والسلاح والجنوب... والحوار بدل المواجهة

في الذكرى الـ48 لجريمة إخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، وجّه رئيس مجلس النواب نبيه بري كلمة متلفزة إلى اللبنانيين في 31 آب 2026. لم تكن مجرد استعادة للذكرى، بل كانت...

هل يتحكم الفلسطينيون بشكل الحكومة الصهيونية المقبلة ؟

لم يعد انضمام يوآف سيغالوفيتش إلى القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس مجرد مفاجأة انتخابية عابرة، ولا مجرد مناورة لاستقطاب أصوات إضافية في انتخابات الكنيست المقبلة؛ فالخطوة...