الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
18°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

خطابُ القوّة المُستعلِية… ورسالةُ التهديدِ إلى لبنا

من داخلِ قاعةِ الكنيست الإسرائيلي، تكلّمَ دونالد ترامب اليوم بلهجةٍ المُنتصِر، فيما كانت الضحكاتُ تعلو وجوهَ الحاضرين، والتصفيقُ يملأُ المكان، وكأنَّهم يُصفّقون لا لخطابٍ سياسيّ، بل لبيانِ تفوّقٍ يُكرِّسُ “إسرائيلَ” مركزًا للهيمنةِ في الشرقِ الأوسط.
ابتسمَ ترامب وتحدّث عن «سلامٍ يُبنى على القوّة»، وعن «شرقٍ أوسطٍ جديدٍ» و«فرصةٍ تاريخيّةٍ لمرحلةٍ ما بعد الحرب». لكنّ كلماته لم تكن رسائلَ سلامٍ، بل رسائلَ إخضاعٍ مغلَّفةٍ بالمديح، تُوجَّهُ إلى كلّ عاصمةٍ في المنطقة، وعلى رأسِها بيروت.
في السياسة، لا يُضحكُ الإسرائيليون عبثًا، ولا يُصفّقون إلاّ حين يشعرون أنّ واشنطن تتحدّث بلغتهم. واللغةُ التي تحدّثَ بها ترامب اليوم هي ذاتها لغةُ القوة التي تُشرعنُ الاحتلال وتُصوّرُ التدميرَ انتصارًا حضاريًّا.
فحين أعلن أنّ «الحرب انتهت» وأنّ «زمن الانتصارات الإسرائيلية بدأ»، لم يكن يُعلن نهايةَ حرب، بل بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ من الفرضِ السياسيّ، تُرادُ أن تكون على حسابِ الآخرين: الفلسطينيّين، السوريّين، واللبنانيّين على حدٍّ سواء.
لم يكن طلبُ ترامب من الرئيس اللبناني “سحبَ سلاح الحزب” تفصيلاً عرضيًّا.إنّه الجوهر الحقيقيّ للخطاب، ومفادُه أنّ زمنَ “الازدواج” بين الدولة والمقاومة يجب أن ينتهي، وأنّ واشنطن وتل أبيب ستتعاملان مع لبنان وفقَ معيارٍ واحد…إمّا دولةٌ تُنَفِّذُ، أو دولةٌ تُعاقَب.
بهذه البساطة يريدون تحويلَ المقاومة من درعٍ وطنيٍّ إلى عبءٍ سياسيّ، ومن عنوانِ حمايةٍ إلى مادّةِ تفاوضٍ على السيادة.إنّهم يُعيدون إنتاجَ معادلةٍ قديمةٍ: «سلِّموا السلاحَ لنحميكم»، بينما التجربةُ تُثبتُ أن من سلّمَ سلاحَهُ سُلِبَ أمنَهُ وقرارهُ في آنٍ واحد.
خلفيّة الاستعلاء الأميركيّ كالعادة فهذا الخطاب ليس مبادرةَ سلامٍ، بل وثيقةُ وصايةٍ جديدةٍ على المنطقة.
ترامب، في عودته المدوية إلى المشهد، أراد أن يُذكّر العالم بأنّ الشرق الأوسط لا يتحرّك إلّا بإشارةٍ من واشنطن، وأنّ “إسرائيل” هي الذراعُ التنفيذيةُ لمشروع “السلام بالقوّة”.
ضحكُ النواب الإسرائيليين وتصفيقُهم كان إعلانًا ضمنيًّا أنّ “النصرَ السياسيّ” قد تحقّق، وأنّ زمنَ التوازنِ قد انتهى، ليبدأ زمنُ الإملاء.
لبنان في عين العاصفة، لكن ليعلموا ان لبنان ليس دولةً صغيرةً في هذا السياق كما يظنّون.
فهذا الوطن الذي احترقَ مرارًا ووقفَ من رماده، يملكُ ما لا تملكُهُ “إسرائيلُ” نفسها..إرادةُ الصمود، وسلاحُ المقاومة ليس بندقيّةً على كتف، بل ذاكرةُ أمةٍ رفضت أن تُستباح.
من يطلبُ من لبنان أن يتخلّى عن سلاحِه، يطلبُ منه أن يخلعَ جلدَه، أن يتنازلَ عن آخر عناصرِ توازنه، وأن يقبلَ بأن يعيشَ تحت رحمةِ عدوٍّ لا يعرفُ الرحمة.
خطابُ ترامب اليوم هو تدشينٌ لمرحلةِ ما بعد الحرب على غزة ولبنان، تُرادُ فيها إعادةُ توزيعِ القوى وطمسُ معالمِ الانتصاراتِ المعنويّةِ التي حقّقها محورُ المقاومة.
لكنّ ما غابَ عن ذهنِ الأميركيّ أنّ الشعوبَ التي صمدت تحت النار لا تُروَّضُ بالتصفيق ولا تُخدَعُ بابتساماتٍ في الكنيست.
لبنان لن يُسلّم سلاحَه، لأنّه لم يستعِره من أحد.
ولن يخضعَ لوصايةٍ، لأنّ من عاشَ على حافةِ الموت، لم يَعُد يخافُ من التهديد.
فليضحكوا ما شاؤوا، وليُصفِّقوا لأنفسهم،
أما نحن، فسنكتبُ التاريخَ كما كتبناه من قبل..بدمٍ يَحمي الكرامة، لا بتصفيقٍ يُبرّرُ الاحتلال.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...