حين ننظر اليوم إلى مضيق هرمز وقد تحول إلى واحدة من أقوى أوراق الضغط الإيرانية، يمكن أن نقول ببساطة: أخطأت واشنطن الحساب.
لكن قبل أن نقبل بهذا التفسير، هناك واقعة تستحق التوقف عندها.
في 18 مارس 2026، وفي جلسة الاستماع السنوية للجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي، سأل السيناتور أنغوس كينغ مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد ومدير الـCIA جون راتكليف: هل كان الرئيس ترامب قد أُبلغ قبل الحرب بأن إيران قد ترد بإغلاق مضيق هرمز واستخدامه ورقة ضغط؟
حاول المسؤولون تجنب الكشف عن تفاصيل ما قيل للرئيس، لكن غابارد أقرت بأمر بالغ الأهمية: أن هذا كان تقديرًا قديمًا ومستقرًا لدى مجتمع الاستخبارات الأمريكي، وأن إيران يُرجح أن تستخدم مضيق هرمز ورقة ضغط.
والأهم أن تقارير أمريكية كشفت أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، حذّر ترامب قبل بدء الحرب نفسها من أن الهجوم على إيران قد يدفعها إلى إغلاق المضيق باستخدام الألغام والطائرات المسيّرة والصواريخ.
أي أن الاحتمال لم يكن مفاجأة.
كان معروفًا.
ومع ذلك… اتُّخذ القرار.
وهنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي.
ليس: هل أخطأت أمريكا؟
بل: لماذا قبلت واشنطن مخاطرة كانت تعرف مسبقًا أنها قد تمنح إيران واحدة من أقوى أوراق الضغط على الاقتصاد العالمي؟
هذا السؤال، لا يعطي اجابة بل يمنع تفسير ما حدث على أنه مجرد مفاجأة أو غباء سياسي وتعتبر سذاجة سياسية.
نعم الدولة السياسية قد تدخل مخاطرة وهي لا تريد أسوأ نتائجها، لكنها ترى أن الكلفة المحتملة يمكن تحملها، أو أن الأزمة التي تنتج عنها يمكن احتواؤها أو استثمارها لتحقيق أهداف أخرى.
وهنا تبدأ الصورة الأوسع.
فبعد ثورة النفط الصخري، أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم. بلغ إنتاجها في 2025 نحو 13.6 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى إنتاج سجلته أي دولة، ويتوقع أن يبقى قريبًا من 13.7 مليون برميل يوميًا في 2026.
أي أن ارتفاع أسعار النفط اليوم لا يصيب الاقتصاد الأمريكي بالطريقة نفسها التي كان يصيبه بها حين كانت الولايات المتحدة أكثر اعتمادًا على النفط الخارجي.
نعم، المواطن الأمريكي يدفع الثمن في محطة الوقود، وهذه كلفة سياسية حقيقية داخلية على الإدارة الحالية.
لكن في الجهة الأخرى، تحقق شركات الطاقة الأمريكية مكاسب هائلة.
في الربع الثاني من 2026، حققت Exxon وChevron معًا قرابة 27 مليار دولار من الأرباح، أي نحو ثلاثة أضعاف أرباحهما في الفترة نفسها من العام السابق. وارتفع متوسط سعر Brent خلال الربع إلى نحو 104 دولارات للبرميل، وكان للصراع الإيراني وارتفاع أسعار الطاقة أثر مباشر في هذه الأرباح.
بل إن ترامب نفسه خرج ينتقد شركات النفط الأمريكية لأنها، حسب تعبيره، تحقق أرباحًا كبيرة جدًا.
والصورة لا تقف عند النفط.
سوق الأسهم الأمريكية سجل مستويات قياسية جديدة، وكانت أرباح شركات S&P 500 في الربع الثاني تتجه إلى الارتفاع بأكثر من 30% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفع المؤشر نفسه بنحو 13% منذ بداية العام.
قطاع الطاقة تحديدًا كان من أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار المرتبط بالصراع.
والدولار أيضًا تلقى دعمًا في أكثر من مرحلة من مراحل التصعيد؛ إذ تحرك المستثمرون نحوه كملاذ آمن، وارتفع مع تصاعد التوتر في الخليج وارتفاع أسعار الطاقة.
مرة أخرى: هذا لا يعني أن الحرب أنهت المشكلات البنيوية التي تواجه الدولار.
لكنها تعني أن الأزمة التي يفترض أنها تضرب المصالح الأمريكية حملت في داخلها أيضًا مكاسب مالية ونقدية أمريكية واضحة.
ثم يأتي السلاح.
استنزاف الصواريخ والذخائر الأمريكية في هذه الحرب دفع البنتاغون إلى الضغط على شركات الصناعات العسكرية لزيادة الإنتاج، ورفعت شركات كبرى مثل Lockheed Martin وRTX توقعاتها، في وقت يجري فيه تسريع إنتاج الصواريخ والذخائر وإعادة ملء المخزونات.
أي أن دورة جديدة من إعادة التسلح بدأت: للجيش الأمريكي، ولحلفاء واشنطن، ولدول المنطقة التي ستبحث بعد هذه الحرب عن مزيد من الدفاع الجوي والصواريخ وأنظمة الردع والحماية.
ولكن ربما تكون الإشارة الاستراتيجية الأهم في موضوع هرمز نفسه هي ما ظهر لاحقًا في الموقف الأمريكي.
ففي نهاية مارس، نقلت Wall Street Journal أن ترامب كان مستعدًا لإنهاء الحملة العسكرية حتى لو بقي مضيق هرمز مغلقًا إلى حد كبير، وأن التوجه كان، إذا تعذر فتحه سريعًا، إلى الضغط على الأوروبيين ودول الخليج كي يتحملوا دورًا أكبر في إعادة فتحه وتأمينه.
وهنا نعود إلى الفكرة التي طرحتها سابقًا عن إدارة التراجع الأمريكي وإعادة توزيع الأعباء.
فهل واشنطن، وهي تعرف مسبقًا خطر هرمز، قبلت مخاطرة كبيرة لأنها في النهاية تريد الوصول إلى معادلة جديدة:
أمريكا تقلل انخراطها المباشر،
ودول المنطقة تتحمل كلفة أكبر من أمنها،
وأوروبا تتحمل جزءًا أكبر من حماية الطاقة التي تحتاجها،
والشركات الأمريكية تبيع النفط والسلاح والتكنولوجيا،
وتبقى واشنطن في الخلفية صاحبة القدرة العسكرية والمالية والسياسية على التدخل عندما تريد؟
لا أقول إن هذا هو التفسير القطعي لما حدث. فلا قطعيات في الفهم السياسي وانما غلبة ظن بناء على المعلومات والاستراتيجيات المطروحة.
ولا أقول إن كل نتيجة نشاهدها اليوم كانت مكتوبة على ورقة في واشنطن قبل بدء الحرب.
لكنني أقول شيئًا أبسط:
حين نثبت أن صانع القرار كان يعرف الخطر مسبقًا ثم قبله، فلا يكفي بعد ذلك أن نفسر النتيجة بأنها خطأ لم يكن في الحسبان.
بل يصبح من واجب الفهم السياسي أن نسأل:
ما الذي كانت واشنطن مستعدة لخسارته؟
وماذا كانت تريد أن تكسب؟
ومن الذي دفع الكلفة؟
ومن الذي خرج بأصول وأسواق وعقود ونفوذ أكبر؟
وما النظام الإقليمي الذي سيبقى بعد أن ينقشع غبار الحرب؟
خصوصًا إذا وضعنا هذه الوقائع بجوار مسار أكبر:
ارتفاع أهمية النفط الأمريكي، والانفتاح على الاحتياطات الفنزويلية الهائلة، وإعادة تسليح المنطقة، ومحاولة نقل جزء من أعباء أمن الشرق الأوسط إلى القوى الإقليمية، مع إعادة توجيه الاهتمام الأمريكي طويل الأمد نحو المنافس الأخطر: الصين.
لذلك، يا حبذا لو ابتعدنا قليلًا عن نشوة الانتصار وعن اليأس من الهزيمة معًا.
فكلاهما قد يحجب العقل.
لا نسأل فقط: من ضرب من؟
بل نسأل: كيف تغير ميزان القوى بعد الضربة؟ ومن أصبح أكثر اعتمادًا على من؟ ومن سيدفع فاتورة النظام الذي يولد من هذه الحرب؟
وليس المقصود صناعة اليأس.
بل منع الوهم.
فاليأس يُقعد، والوهم يُضلل، أما الوعي فيدفع إلى العمل.
ومكر الله بالماكرين لا يعفينا من أن نفهم مكرهم، ولا من أن نبني أدواتنا السياسية والفكرية، ولا من أن نتحرك كأمة واعية تعرف واقعها، وتدرك ما يُراد بها، وتملك مشروعها هي للتغيير.
فالوعي ليس ترفًا سياسيًا…
الوعي هو أول شروط التغيير.


