في الشرق الأوسط، لا تُكتب السياسة بحبر المبادئ الرومانسية، بل تُنحت بدم الضرورات القاسية. هنا، حيث تتداخل الخنادق وتتبدل البنادق، ليس مستغرباً أن يتحول عدو الأمس الذي قاتلته حتى العظم، إلى جليسٍ تضطر لارتشاف القهوة المرّة معه اليوم. وما الحديث الذي يدور في الكواليس عن استعداد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، لفتح كوة في جدار العداء الدموي والجلوس مع أبو محمد الجولاني في سوريا، إلا زلزالٌ سيكولوجي وجيوسياسي يختصر سريالية المشهد في منطقتنا، ويؤكد المقولة الأزلية: في السياسة، أنت لا تصنع السلام مع أصدقائك، بل تعقد الصفقات مع ألدّ أعدائك.
بالنسبة للوجدان الشعبي ولعائلات الشهداء، يبدو هذا المشهد وكأنه طعنةٌ في الذاكرة. كيف يمكن لمن شيّعوا أبناءهم الذين سقطوا في معارك القصير والقلمون وحلب، أن يتقبلوا فكرة جلوس قيادتهم مع الرجل الذي هندس السيارات المفخخة، وكان الوجه الأبرز للذبح والتكفير؟ الجولاني، في الذاكرة الجمعية لمحور المقاومة، ليس مجرد خصم سياسي، بل هو أمير الدم، ورمزٌ لحقبةٍ سوداء كادت أن تبتلع سوريا ولبنان معاً. من هذا المنظور، تبدو المصافحة أو حتى مجرد إرسال موفدين للتفاوض معه، كابتلاعٍ لشفرة حلاقة؛ خيانةٌ عاطفية للشعارات، وتنازلٌ أخلاقي يطرح سؤالاً يمزق الصدور: “هل نسينا دماء من رحلوا؟”
لكن، وفي الغرف المغلقة حيث تُفرد الخرائط وتُقرأ موازين القوى بعيونٍ مجردة من الدموع، تسقط العاطفة أمام مقصلة “البقاء”. الجيوسياسة لا تعترف بالبكائيات، بل تعترف بمعادلة الأرقام والمحاور. فاليوم، تقف المقاومة أمام تهديدٍ وجودي غير مسبوق؛ آلة القتل الإسرائيلية تطحن القرى في الجنوب، وتحاول خنق لبنان من بوابته الجنوبية والبحرية والجوية.
إذا ما تُركت الخاصرة السورية مفتوحةً لتتحول إلى جبهةٍ معادية جديدة، أو مسرحاً للاستنزاف عبر وكلاء وفصائل تستغل انشغال المقاومة، فإن “فكي الكماشة” سيُطبقان بالكامل. إن فتح جبهتين في وقت واحد هو انتحارٌ استراتيجي لا يقدم عليه عاقل. إسرائيل من الأمام، وخناجر الفصائل في سوريا من الخلف؛ هذا هو الكابوس الذي تسعى القيادة لتفكيكه.
لقد تحالف ونستون تشرشل مع جوزيف ستالين—الذي كان يمقته أيديولوجياً—ليهزم هتلر، قائلاً جملته الشهيرة: “إذا غزا هتلر الجحيم، سأقول كلمة طيبة بحق الشيطان في مجلس العموم”. هذا هو جوهر ما يجري تصميمه اليوم. إن الجلوس مع الجولاني أو أي فصيل سوري معارض، لا يهدف لمنحهم صكوك الغفران، ولا لمسح تاريخهم الدموي، بل هو تطبيقٌ حرفي لقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”.
الهدف هو تبريد الجبهة الشرقية، وتحييد خصمٍ شرس لمنعه من التحول إلى خنجرٍ إسرائيلي يطعن ظهر المقاومة في أحلك ظروفها. إنها محاولةٌ لشراء الوقت، وتحصين الساحة من الانفجار الشامل، وقطع الطريق على كل الدول المتربصة التي تحلم بإغراق المحور في حرب استنزافٍ عبثية تُريّح إسرائيل وتُنهك سلاح المقاومة.
في النهاية، قد تلعن الجماهير هذه السياسة، وقد تبكي الأمهات من مرارة المشهد، ولكن القيادة التاريخية هي تلك التي تقبل أن تتسخ يداها بوحل المفاوضات مع الشيطان، لكي تمنع هذا الشيطان ذاته من إحراق ما تبقى من الوطن. إنها قمة المأساة وقمة الدهاء في آنٍ واحد؛ فلكي تحمي رأسك من سيف تل أبيب، عليك أحياناً أن تبتسم في وجه خنجر إدلب!


