الخميس، 4 يونيو 2026
بيروت
23°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج
في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب المحرٌَمات وفعل المندوبات والمستحبٌَات وأبواب الخير كثيرةٌ ولكنَ اكثر الناس يغفلون عنها
وقوله لعلكم تفلحون أي كي تفوزوا وتفلحوا
وقال تعالى أيضًا:{وما تُقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظمَ أجرًا} سورة المزمِّل.
معناه: وما تُقدموا أيها المؤمنون لأنفسكم من وجوه البِرٌِ وأعمال الخير وما أكثرها وما اكثر من يُعرض عنها كسلًا وغفلةً او جهلًا بأن ذلك من البِرِّ فما تقدٌِموا من ذلك في طلب رضا الله تعالى وثوابه تجدوا ثوابه عند الله يوم القيامة في الجنة دار الكرامة والعندية للتشريف لا للمكان لتنزهه تعالى عن الجهة والمكان والمعنى تجدون ذلك في معادكم وهو خيرٌ لكم مما قدمتم في الدنيا وأعظم ثوابًا من الذي قدمتموه.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني فنزل البئر فملأ خُفَّه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرًا فقال: في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ” متفقٌ عليه. وفي روايةٍ للبخاري: فشكر الله له فأدخله الجنة” وفي روايةٍ لهما:”بينما كلبٌ يُطيف بِرَكِيَّةٍ قد كاد يقتُله العطش إذ رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل فنزعت مُوقها فاستقت له به فغُفِر لها”
يؤكد ما مرٌ ذكره في نفس المؤمن عظيم فضل الله تعالى على المؤمنين وأنه عزَّ وجلَّ يجزي على العمل الصَّالح القليل الثواب العظيم الجزيل وأن العمل الصَّالح بركةٌ في الدنيا والآخرة وقد جعل الله تعالى طُرق الخير كثيرة ولكن قلَّ من الناس من يتنبَّه لتلك السبل ومن يلج فيها وكثيرةٌ هي النصوص في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدَّاعية والدالَّة على الخير وكثرة طرقه ولو أردنا استقصاء ذلك لنفدت المحابر واسودت الصحف وفيما أوردناه عبرةٌ بالغةٌ تدفع الفطن إلى عدم التفريط بفعل الخير وترك الإحجام عن سلوك سُبل البِرِّ وإن قلَّ فإن تولِّي الكريم للعطاء يدل على سعة العطاء والله أكرم الأكرمين فذاك رجلٌ فاجأهُ كلبٌ يلهث أي يدلع لسانه من العطش ويأكل الثرى وهو التراب الندي لقربه من الماء في التبريد ففهم الرجل من حالة الكلب أنه قد بلغ منه العطش مبلغًا كبيرًا كما كان بلغ منه هو فرجع فنزل البئر فملأ خُفه والخُف ما يُلبسُ في الرِّجل ثم أمسكه بفيه حتى تمكَّن من الصعود إلى أعلى البئر فسقى ذلك الماء للكلب فشكر الله له أي قَبل الله تعالى عمله ووفَّقه فأدخله الجنة وفي هذا ترغيبٌ عظيمٌ بفعل الخير وإن قلَّ إذ لا يدري المرء بسر أي عملٍ صالحٍ تكون السعادة وذلك أن العبد قد يعمل عملًا يراه قليلًا فيرزقه الله التوفيق ببركة هذا العمل للتوبة فيرضى الله عنه ولأهمية المسارعة في الخير وإن قلَّ فقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك جدًا فعن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”اتقوا النار ولو بِشِق تمرة فمن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ” متفقٌ عليه. و”الشِق” النصف أي ولو أن تتصدق بنصف تمرةٍ وذَكر صلى الله عليه وسلم ما كان من الرجل حين سقى الكلب للتحضيض على الخير والإخلاص فيه لله وحده إذ حال الرجل كان كذلك إذ هو في البريَّة ولم يره أحدٌ حال سُقياه الكلب فكان بعيدًا من الرياء قاصدًا طلب الأجر من الله وحده وفي حثِّ النبي صلى الله عليه وسلم على عمل البِرِّ وإن قلَّ كسقي البهيمة وغيره نهيٌ عن ضده أي من أعمال السوء.
ونظرًا لحرص الصحابة الكرام على الاستفادة والفهم السديد سألوا فقالوا: وإن لنا في البهائم أي بسببها أجرًا؟ فقال معلم الناس الخير نبينا صلى الله عليه وسلم: “في كل كبدٍ رطبةٍ أجر” والرطوبة كناية عن الحياة فإن الميت يجِفُّ جسمه وكبده، وقيل: الكبد إذا ظمئت ترطَّبت ففي الحديث الأمر بالإحسان إلى بهيمته التي ينتفع بها كالبقرة والكبش أو الفرس وإذا كان هذا النوع من الإحسان عملًا طيبًا فإن الإحسان إلى إخوانه المؤمنين من أقاربه أو غيرهم أولى وعلى مثل المعنى الذي مرَّ تُحمل الرواية الأخرى وهي أيضًا في الصحيحين وفيها:”أن بغيًا (زانيةً) من بغايا بني إسرائيل رأت كلبًا يُطيف (يدور) برَكِيَّةٍ (بئرٍ) قد كاد يقتله العطش لاشتداده به فنزعت موقها أي خُفَّها فاستقت للكلب به فسقته حتى روي فغفر الله لها” أي وفَّقها للتوبة وغفر لها ولا تنافي بين كون الذي سقى الكلب هنا امرأة وفي الحديث قبله رجلًا لاحتمال تعدد القصة وفي كل ذلك دليلٌ باهرٌ على عظيم فضل الله تعالى ورحمته وعفوه فإن الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه هو الكفر ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال تعالى :{إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يُشرك بالله فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا} سورة النساء. فلا ينبغي للمؤمن أن ييأس وإن أثقلت كاهله الذنوب وأرهقته المعاصي والآثام وحريٌ به أن لا يُقصِّر في إغاثة الملهوفين وإعانة المكروبين ومدِّ يد المواساة لمن أنزل بهم الدهر نوائبه وليتذكر أن الله تعالى غفر لذلك الرجل ولتلك المرأة بُسقيا كلبٍ فما بالُك بالذي يُحسن إلى المؤمنين ويُخفف من الآمهم لا سيما وقد اشتدت الخطوب وازدحمت على أبواب الناس المحن والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...

الاستعلام قبل الاتهام

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يآ أيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم...

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...