الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{قل الله خالقُ كل شىء وهو الواحد القهَّار} سورة الرعد.
وروى البخاري في “الأدب المفرد” عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله صانع كل صانعٍ وصنعته” رواه البيهقي.
لا ريب أن الله تعالى هو خالق كل شىء فلا خالق إلا الله ومعنى الخالق الذي يُبرز من العدم إلى الوجود فما من حركةٍ أو سكونٍ أو نيةٍ أو خاطرٍ وهو الذي يطرأ في النفس من غير إرادةٍ منَّا إلا بإيجاد الله وحده، أما العبد فلا يخلق شيئًا وعلى هذا المعنى دلَّ القرآن والحديث فقد أثبت الله الخلق لنفسه كما يُستفاد من الآية فهو الذي أنشأ الموجودات جميعًا، ومعنى الشىء عند أهل الحق: “الثابت الوجود” وحيث دلَّت الآية أن الله خلق كل شىء فهذا معناه: أن الله خالق للأعمال ما كان منها خيرًا وما كان منها شرًا وللأحجام كبيرها كالعرش الذي هو أكبر المخلوقات وهو فوق السماء السابعة وقد خلقه الله إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته والجنة والسموات، وصغيرها كالذَّرة وهي أصغر جسمٍ تراه العين ويُقال في الجمع: الذَّر “وهو هذا الهباء الذي يُرى من النافذة عند دخول شعاع الشمس فإذا أردت أن تُمسكه لا ترى في يدك شيئًا” وما دونه وهو الجزء الذي لا يتجزأ وهو المسمَّى عند علماء التوحيد “بالجوهر الفرد” وذلك أن كل جسمٍ هو مركبٌ من أجزاء اجتمع بعضها إلى بعض وهي قابلةٌ في العقل للقسمة إلى أن تصل القسمة إلى جزءٍ لا يتجزأ لتناهيه في القلة.
أعمالنا بخلق الله
ثم لا فرق في كون الأعمال بخلق الله بين الاختيارية وغير الاختيارية وذلك أن أعمال العباد تنقسم إلى اختيارية: وهي ما تقع من العبد باختيارٍ منه كالقيام والقعود والمشي واضطرارية: وهي ما تقوم في العبد بغير اختيارٍ منه كنبض القلب وجريان الدم في العروق وحركة المرتعش من البرد أو الخوف قال الله تعالى:{والله خلقكم وما تعملون} سورة الصافات.
أي خلقكم وخلق عملكم وهذا شاملٌ لكل أنواع الأعمال الخير والشر والاختيارية والاضطرارية، فمن زعم أن شيئًا يكون بغير خلق الله فقد ضلَّ وكذَّب معنى لا إله إلا الله لأنه لو كان أحدٌ يُبرز من العدم إلى الوجود غير الله لكان شريكًا لله في الألوهية وهذا مناقضٌ لمقتضى الشهادتين، ومن اعتقد هذا لا يكون في عداد المسلمين وقد خالفت المعتزلة قديمًا في هذه المسألة فشذُّوا عمَّا اتفق عليه المؤمنون وزعموا أن أعمال العباد الاختيارية بخلق العبد وأن العبد هو الذي يخلق الشر ولا ريب أن مقالتهم هذه ضد الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى:{فلم تقتلوهم ولكنَّ الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى} سورة الأنفال. فقد كان الصحابة الكرام يُجاهدون الكفار المعتدين فيقتلون ويُقتلُون والقتل عملٌ اختياري ومع ذلك فقد نفى الله عنهم خلق القتل كما نفى عن نبيه صلى الله عليه وسلم خلق الرمي وهو أيضًا من الأعمال الاختيارية، وأثبت تعالى الخلق لنفسه وحده، وقال تعالى أيضًا في شأن يهود بني النضير وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد غزاهم بعدما خانوا وظلموا وأشركوا ونقضوا العهد فجلَوا عن الديار:{ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذَّبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار} سورة الحشر. والجلاء عملٌ اختياري ومما يهدم أيضًا مذهب المعتزلة أن يقال لهم: هل علم الله ما يكون من العباد قبل أن يفعلوه؟ فإن قالوا: لا ضلُّوا ضلالًا بعيدا بنسبة الجهل إلى رب العالمين ولا حظ لقائل ذلك في الإسلام وإن قالوا: نعم، قلنا: هل شاء خلاف ما علم؟ فإن قالوا: نعم فقد شذُّوا عن المؤمنين ونسبوا إلى الله عدم الحكمة وليس قائل هذا من الإيمان في شىء وإن قالوا: لا خرجوا من مذهبهم ونقضوا عقيدتهم فثبت إذًا أن الله خالق كل شيء.
الأمر والمشيئة
ولكننا نقول:
قد خلق الله الخير والشر ولكن أمر بالخير ورضيه ونهى عن الشر وكرهه وأمرنا بالاستعاذة منه فقال عزَّ وجل:{قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق} سورة الفَلق. ومنشأ ضلال المعتزلة في هذه المسألة أنهم خلطوا بين الأمر والمشيئة فزعموا أن كل ما أمر الله به فقد شاء حصوله وبالتالي: اعتقدوا أن الشر الواقع من العباد ليس بخلق الله لأن الله نهى عن الشر فقالوا: بأن العبد يخلق فعله والصواب خلاف ذلك، فإن أهل الحق يقولون: ليس الأمر والمشيئة متلازمين فقد يأمر الله بشىء ولا يشاء حصوله كما أمر نبيه إبراهيم عليه السلام بذبح ولده وما شاء له أن يُذبح ومصداق هذا في كتاب الله في سورة الصَّافات. وليس النهي عمَّا شاء الله حصوله من الشر منافيًا للحكمة كما زعمت المعتزلة وترى بعضهم يوافقون أهل الحق في أن الله علم وقوع الكفار في الكفر والأشرار في الشر ونهاهم عنه فكما أن نهيهم عمَّا علم حُصوله لا يُنافي الحكمة فكذلك نهيهم عمَّا شاء حصوله لا يُنافي الحكمة، وقرَّب أهل العلم ذلك إلى الأفهام بأمثلةٍ ذكروها منها: أن رجلًا أراد أن يُظهر لصديقه أن غلامه لا يُطيعه فيما يأمره به فأمر الغلام بفعل شىءٍ مع عدم إرادة السيِّد أن يُنفذ الغلام الأمر فظهر جليًا أن لا تلازم بين الأمر والمشيئة وليس عقاب الله في الآخرة لمن يُعاقبهم ظلمًا لأنه تعالى يُعاقبهم على ظلمهم الذي فعلوه بإرادةٍ منهم لأن العبد له مشيئة تحت مشيئة الله أي لا يكون من العبد إلا ما علم الله أنه سيكون منه كما دلَّ عليه قول الله تعالى:{وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين} سورة التكوير. فالعبد له مشيئة لكن تحت مشيئة الله، فما علم الله أنه يكون شاء حصوله وما علم الله أنه لا يكون لم يشأ حصوله وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم بنته السيدة زينب: “ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن”.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


