في مشهدٍ يكاد يُختصر به معنى السيادة المُلتبسة -عند البعض- في لبنان، تسأل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس وزيرَ الخارجية اللبناني عمّا إذا كان مستعدّاً لتلبية دعوة لزيارة طهران. سؤالٌ يبدو للوهلة الأولى دبلوماسياً، لكنه يحمل في نبرته ظلال الوصيّ الذي يتعامل مع القرار اللبناني كأنه تابع لجدول مصالحه.
المفارقة ليست في السؤال فقط، بل في الجواب أيضاً.
فوزير الخارجية يوسف رَجّي أعلن أنه منفتح على جميع الدول باستثناء تلك التي تتدخل في شؤون لبنان. وعليه، فهو يرفض زيارة إيران لأنها – بحسب تعبيره – تتدخل في الداخل اللبناني. إلى هنا، يمكن القبول بالمنطق لو كان المعيار واحداً، والقياس ثابتاً، والموقف مبدئياً.
لكن السؤال البديهي الذي يقفز إلى الواجهة هو ماذا لو عرضت عليه الولايات المتحدة زيارة واشنطن؟
هل كان سيعتذر بالطريقة نفسها لأن واشنطن تتدخل أيضاً —بل أكثر وبشكل معلن— في تفاصيل السياسة والاقتصاد والقضاء والأمن في لبنان؟ أم أن معيار “التدخّل” يصبح نسبياً وفق الجهة التي تسأل، لا وفق المبدأ الذي يُعلَن؟
إنّ ما جرى يفضح التباين الحقيقي بين الخطاب والممارسة.
فالوزير يرفض زيارة طهران بذريعة التدخّل، بينما يجيب على سؤال أميركي عن زيارة طهران نفسها! وهذا بذاته مفارقة تكفي لتظهير حجم الارتهان الذي بات يُدار تحت عناوين السيادة.
السيادة ليست أن تقول “لا” لطرفٍ واحد وتقول “نعم” لآخر؛ وليست أن ترفع شعار عدم التدخّل بينما تجيب على أسئلة تتدخّل بحد ذاتها في قرارك.
السيادة أن تقيس الجميع بمسطرة واحدة، وأن ترفض التدخّل سواء جاء من الشرق أو من الغرب.
وحين تصبح واشنطن هي التي تسأل: “هل ستزور إيران؟” ويصبح الوزير اللبناني هو الذي يسارع إلى شرح تفاصيل قراره… فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في السؤال الإيراني ولا في الدعوة الإيرانية، بل في طريقة فهمنا نحن لدورنا وموقعنا وحقّنا في إدارة شؤوننا دون وصاية.
والمفارقة الكبرى أنّ لبنان، الذي يُفترض أنه دولة مستقلّة، بات يبرّر خياراته الخارجية لغيره قبل أن يشرحها لنفسه.
وإذا كان معيار الوزير هو رفض زيارة الدول المتدخّلة، فهل يملك الشجاعة لاعتماد المبدأ ذاته في حال طُرح عليه اسمُ الدولة الأكثر حضوراً في مطبخ القرار اللبناني؟
في مثل هذه اللحظات، لا نحتاج إلى خطابات بقدر ما نحتاج إلى موقفٍ صريح يضع الجميع –شرقاً وغرباً– في خانة واحدة .
أما غير ذلك، فسيبقى مجرّد تبادل أنيق للأدوار بين وصيٍّ يسأل… وتابع يُجيب.


