إذا كان مولد النبي ﷺ وإن إختلف الناس في تاريخه هو ذكرى تُوقظ فينا المحبة ، فإن المحبة التي لا توقظ الأخلاق تبقى عاطفةً ناقصة ، وإذا كانت سيرته ﷺ طريقًا إلى الله ، فإن السير فيها لا يكون باللسان وحده ، وإنما بخطى الصدق والأمانة والرحمة والعفو والعدل .
إن رسول الله ﷺ لم يأتِ ليزيد الناس معرفةً بالكلام ، بل ليصنع منهم أناسًا تُرى رسالته في وجوههم ، وتُلمس في معاملاتهم ، ويستظل بها الضعيف ، ويأمن بها الخائف ، ويجد فيها المظلوم إنصافه ، والمخطئ يفتح له بابًا إلى التوبة والإصلاح .
ومن هنا ، فإن أصدق الوفاء له ﷺ أن يكون صدقه في صدقنا ، وأمانته في أمانتنا ، ورحمته في رحمتنا ، وعدله في أحكامنا ، وحلمه في خصوماتنا.
وإذا كان الله سبحانه قد قال في نبيه ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، فكيف لا تكون الرحمة بعض لغتنا وبعض مواقفنا وبعض أخلاقنا؟
وإذا كان قد جاء ليؤلف القلوب ، فكيف نكون نحن وقودًا للفرقة؟! وإذا كان قد أُرسل ليهدي الناس ، فكيف نجعل الدين في ألسنتنا سوطًا على الناس ، بدل أن يكون في أيدينا جسرًا إليهم؟
إن قوة الموقف لا تستوجب قسوة القلب، والانتصار للفكرة لا يعني الانتصار على الإنسان ، والاختلاف في الرأي لا يبيح سقوط الأدب .
وما أحوجنا إلى أن نتعلم من مدرسة المصطفى ﷺ كيف نختلف دون أن نتباغض ، وكيف نتنافس دون أن نتدابر ، وكيف ننتصر للحق دون أن نظلم الخلق .
فكم من كلمة قيلت باسم الغيرة على الدين ، فأحرقت قلبًا ، وكم من خصومة بدأت بخلاف في الرأي ، ثم انتهت بقطيعة في الرحم ، وكم من نقد كان يمكن أن يكون نصحًا ، فتحول إلى تشهير .
وما هكذا تُبنى الجماعات ، ولا هكذا تُصان الأخوة ، ولا هكذا يُحمل ميراث النبوة .
إننا أحوج ما نكون إلى كلمة سواء ، كلمة تجمع ولا تفرّق ، وتبني ولا تهدم ، وتفتح الأبواب ولا تغلقها.
أحوج ما نكون إلى أن نبحث عن الأعذار لإخواننا قبل أن نبحث عن أخطائهم ، وأن نغض الطرف عن الهفوات قبل أن نضخّمها ، وأن نتذكر أن القلوب التي نكسرها اليوم قد نحتاج غدًا إلى محبتها ووقوفها إلى جانبنا.
وما أحوج لبنان ، في هذه المرحلة العصيبة ، إلى هذه الأخلاق النبوية ، إلى مسؤول يرى المنصب تكليفًا لا تشريفًا ، وإلى موظف يرى الوظيفة أمانة لا غنيمة ، وإلى سياسي يرى الوطن وطنًا لا ساحة نفوذ ولا مصلحة خاصة ، وإلى مواطن يعرف أن حقه لا يكتمل إذا كان على حساب حق أخيه .
فالأوطان لا تستعيد عافيتها بكثرة الشكوى من أمراضها ، وإنما حين يبدأ كل واحد منا بعلاج المرض الذي يستطيع أن يبلغه : فسادًا في يده فينزهه ، أو خصومة في قلبه فيطفئها ، أو حقًا في ذمته فيؤديه ، أو مظلمة في عنقه فيردها .
والأمة لا تستعيد مكانتها بالبكاء على أمجادها ، ولا بالتحسر على حاضرها، وإنما حين تستعيد الإنسان الذي أراد الإسلام أن يصنعه : إنسانًا إذا قال صدق ، وإذا اؤتمن حفظ ، وإذا خاصم عدل ، وإذا قدر عفا ، وإذا اختلف مع غيره لم يسقط أخلاقه .
فلتكن هذه المناسبة عهدًا لا موسمًا ، عهدًا نتصالح فيه مع الله ، ومع أنفسنا ، ومع إخواننا ، ومع وطننا .
ولنضع وراء ظهورنا أحقاد الأمس ، ولنفتح للغد نافذةً من الأمل والعمل .
تعالوا نحيِ الذكرى في القلوب قبل الساحات ، وفي السلوك قبل الأقوال ، وفي الأخلاق قبل المظاهر . تعالوا نجعلها مناسبةً لرد مظلمة ، وصلة رحم ، وإصلاح ذات بين ، وحفظ أمانة ، وكف أذى ، وعفو عند المقدرة.
فما أحوجنا اليوم إلى محمد ﷺ: لا أنشودةً نرددها ، بل منهجًا نسلكه ، ولا سيرةً نحفظها ، بل حياةً نقتدي بها، ولا محبةً نزعمها ، بل طاعةً تشهد لها أعمالنا .
ومن أحب رسول الله ﷺ حقًا ، فليحمل إلى الناس شيئًا من رحمته ، وإلى معاملاته شيئًا من صدقه ، وإلى خصوماته شيئًا من عدله ، وإلى حياته شيئًا من تواضعه.
وهكذا تصبح هذه المناسبة أكثر من ذكرى : تصبح موعدًا لميلادنا من جديد ، نولد فيه من قسوة الخصومة إلى سعة الرحمة ، ومن أسر المصالح إلى رحاب المسؤولية ، ومن فرقة القلوب إلى وحدة الصف ، ومن عبادة المظاهر إلى حقيقة الإيمان .
فيا رب ، كما أشرقت الدنيا بمجيء نبيك ﷺ ، أشرق على قلوبنا بنور هديه ، وأصلح بنا ما فسد ، واجمع بنا ما تفرق ، وألّف بين القلوب، وأصلح الوطن والعباد ، وارزقنا صدق المحبة وحسن الاتباع وجمال الاقتداء .
اللهم اجعلنا ممن أحبوا فأطاعوا ، وعرفوا فاقتدوا ، وسمعوا فاستجابوا
، واجعل لنا من أخلاق نبيك ﷺ نصيبًا ، ومن رحمته حظًا ، ومن هديه طريقًا ، ومن سنته حياة.


