الخميس، 21 مايو 2026
بيروت
18°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران. وقال تعالى أيضًا:{وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيَّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم لْيَقضُوا تَفَثهم وليُوفوا نذورهم ولْيَطَّوفوا بالبيت العتيق} سورة الحج.
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”بُني الإسلام على خمسٍ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان” متفقٌ عليه.
خيرٌ تلو خيرٌ وطاعةٌ تلو طاعةٍ وبركاتٌ في إثر بركاتٍ هكذا هي حياة المؤمن التقي يغتنم كل موسمٍ من مواسم الخير والفضل وما أكثرها في إيام الدهر وها هو موسم الحج العظيم قد أقبل فهفت نفوسُ المؤمنين الصادقين المشتاقين إلى زيارة البيت الحرام الكعبة المعظَّمة وتلك الرحاب الطاهرة وأداء المناسك المشرَّفة في أيَّامٍ معلوماتٍ ملؤها النور والهدى والبركة والمغفرة فطوبى لمن يسَّر الله تعالى له الحج فأتى به على النحو الذي يحب الله فنال مغفرة الله تعالى وامتلأ قلبه بالأنس والسكينة وفي هذا المقام أحب أن أوجِّه نصيحةً هادفةً لمريد الحج فأقول:
إن الحج عبادةٌ عظيمةٌ وهو من أعظم الواجبات في الإسلام فينبغي أن يُراد به رضا الله تعالى وحده لا محمدةَ الناس ولا أن يكون قصد الحاج أن يُعرف فيما بعد باسم الحاج الفلاني ولا أن يُراد به رحلة ترفيهٍ واستجمامٍ فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله لا ينظرُ إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” رواه مسلم. ففي الحديث تأكيدٌ على الاعتناء بالنية والعمل، والنية عملٌ قلبيٌ فينبغي تحسين المقاصد وتحسين الأعمال ليحوز المرء الثواب كاملًا من الله تعالى وقوله: لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم معناه لا يثيبكم عليها وفيه أن المثوبة من الله تعالى ليست مرتبظةً بالجسم ولا بالصورة فإن الإنسان لا يد له في جسمه وهيئته وصورته ولا في جنسه ونسبه فإذا عُلم هذا وهو جليٌ فإننا نصح مريد الحج أو مريد أي عملٍ صالح أن يصحح نيته فلقد قيل:”النية إكسير (سر) العمل”
العلم ثم العلم
وربما ذهب بعضهم للحج طمعًا في نيل البشرى الواردة في حديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”من حج فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه” ولم ينلها لأن من شرط نيل هذه المغفرة أن يكون الحج بمالٍ حلالٍ. وحيث كان المأمور به تحسين النية وتحسين العمل فإن ذلك يقتضي أن يتعلَّم مريد الحج ما يحتاج إليه من أحكام الحج ليقع حجُّه موقع القَبُول فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”رُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السهر ورُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطش” رواه البيهقي. فكما أن الإنسان قد يصوم ويقوم ولا حظَّ له من ذلك إلا التعب والسهر والجوع والعطش بسبب إخلاله بالأركان وإتيانه بما يُفسد الصلاة والصوم جهلاً منه كذلك قد يأتي بصورة الحج ولا يصح له حجٌّ لإتيانه بما يُخلُّ بصحة الحج وهو لا يدري وربما جرى الكلام بيننا وبين بعض من عزم على الحج فيقول أحدهم: قد أعددتُ ما أحتاجه من أغراضٍ وأدواتٍ وطعام وشراب ودواء وثياب إحرام وكذا وكذا ورتبتُ أمور السفر وحجزتُ في الفندق الفلاني قريبًا من الكعبة في ناحيةٍ مُطلة على الحرم تتوفر فيها كل أسباب الراحة. ويطول كلامه في مثل هذه الأمور حتى لربما حسب السامع أنه مسافر للاستجمام لا للحج، وإذا ما قلت له: “هل تزودتَ للحج بما هو أهم من كل ما ذكرته” علتْ وجهه ملامح الدهشة والاستغراب وبادرك بسؤال المتعجب فيقول: وماذا بقي سوى ذلك؟ وما الذي ينقصني؟ فتقول “ينقصك العلم فإنه ينبغي لك أن تهتمَ لأمر العلم حتى تضمن صحة حجك بدل أن يذهب المال والتعب والجوع والعطش والسفر سدىً بلا طائل، فإن من جهِل أحكام الحج فدخل فيه بغير علم لا يضمن صحة ما يقوم به. فتراه يقول: إذا ذهبت إلى هناك نظرت ماذا يفعل الناس ففعلت مثلهم، أو يقول: نيتي حسنة وأنا قاصدٌ طاعةَ الله. وربما قال بعضهم: هذه الحجَّة الخامسة أو السادسة أو العاشرة وهو في كل مرةٍ يُسافر إلى تلك الرحاب ولا يصح له حجٌ وهل يجعلُ مجرَّد السفر إلى مكة المرء عالمًا؟ ويقال لمن كان هذا حاله: قال العلماء: “يجب على كل مسلم أن لا يدخل في شىء حتى يعلم ما أحلَّ الله تعالى منه وما حرَّم فإن الله عزَّ وجل تَعبَّدنا (كلّفنا) بأشياء فلا بد من مراعاة ما تعبَّدنا الله تعالى به”. ومعنى ذلك أن من دخل في عبادة ما أو معاملة من المعاملات كالتجارة والشركة والرهن مثلا بغير علم فقد عصى الله، وفي الغالب يقع بسبب جهله في مُفسدٍ من المفسدات فلا يصح عمله وهو لا يدري، ولو فرَضنا أن جاهلًا دخل في عبادةٍ أو معاملةٍ بغير علم وأتى بأركانها وشروطها صحيحةً من باب المصادفة كمن دخل في الحج مثلًا فأتى بالمناسك صحيحةً بالمصادفة ولا يتأتَّى هذا عادةً فإنه لا يسلم من المعصية لأنه دخل في هذا العمل بغير علم وأهمل تحصيلَ العلم الذي كان واجبًا عليه طلبه قبل الدخول في هذا العمل فعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم” رواه البيهقي.
ثم إن بعض أعمال الحج قلبية أي تكون بالقلب كالإحرام والإحرام نية الدخول في النسك فيقول في قلبه: “نويت الحج وأحرمت به لله” فلو خالط هذا الجاهل مئات الحجيج فكيف سيعرف أن النية ركنٌ في الحج ما لم يتعلَّم ولأهمية العلم قبل العمل رتَّب الإمام البخاري في “صحيحه” بابًا سمَّاه “باب العلم قبل القول والعمل”. فالحذر الحذر والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...

الاستعلام قبل الاتهام

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يآ أيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم...

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...