في هذا العالم المقلوب، لا تُقاسُ العدالةُ بالحقِّ، بل بالمصلحة. ولا يُحدَّدُ الإرعابُ بما يرتكبه من جرائم، بل بما يُشكِّله من تهديدٍ لمشاريع الغرب ومكاسبه. لذلك رأينا كيف تُحاصر أمريكا وأوروبا المصارف والشركات والأفراد تحت ذريعة “تمويل حزب الله”، بينما تغضّ الطرف عن شبكات تمويلٍ علنيّةٍ لتنظيماتٍ إرعابيّةٍ حقيقيّة، كالقاعدة ، وداعش، وجبهة النصرة، وهيئة تحرير الشام، وسواها من المجموعات التي تسبّبت بدمار الشرق كلّه.
لماذا هذه الانتقائية؟
الجواب بسيط ومخزٍ… لأنّ الغرب لا يحارب الإرعاب إلا حين يهدّد مصالحه، أما حين يخدم هذه المصالح، فيُمنَح الغطاء السياسي والإعلامي، وتُفتَح له الحدود وتُمدّه بعض الأنظمة بالسلاح والمال.
حين ظهر تنظيم داعش، تركوه يتمدّد، لأنّ دمار العراق وسورية كان يخدم مشروعهم لتقسيم المنطقة وإضعافها. وحين اشتدّ خطره وخرج عن السيطرة، أُطلقت عليه الحملاتُ تحت شعار “محاربة الإرعاب”. وحين كانت النصرة تقتل وتقطع الرؤوس في سورية ، سُمّيت “معارضة معتدلة”، لأنّها كانت تؤدّي الدور الذي يريده الغرب في تلك المرحلة.
وفي المقابل، حين واجهت المقاومة اللبنانية المشروع الصهيونيّ وكسرت هيبته، تحرّكت واشنطن والعواصم الغربية لإطلاق حربٍ ماليةٍ عالميةٍ ضدّها، مستعملةً المصارف كأداةِ خنقٍ اقتصاديٍّ بدل القنابل. فالهدف لم يكن “تجفيف منابع الإرعاب”، بل تجفيف منابع الكرامة الوطنيّة، لأنّ كلّ ما يقف في وجه الهيمنة يُعتبر إرعاباً في قاموسهم.
تحت عناوين “محاربة التطرف” و”مكافحة تمويل الإرعاب” تُدار أضخم عمليات الابتزاز السياسي في الشرق الأوسط وخصوصاً في لبنان . التهديد بفرض العقوبات، او تُجمّد الحسابات، وتُحاصر الشعوب في لقمة عيشها، بينما شركات السلاح الغربية تبيع الأسلحة نفسها لمن يشعل الحروب، ثم تُرسل الوفود تتحدث عن السلام وحقوق الإنسان.
نعم، هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال من دون خوف، الغرب لا يحرّكه الضمير، بل المصالح والدولار. ولا تُهمّه حياةُ أبناء أوطاننا، بل استمرار نفوذه في منطقتنا.
كلّ دمٍ لبناني وعربيٍّ يُسفك، هو جزءٌ من حسابٍ سياسيٍّ في ميزانهم, وكلّ حربٍ تُشعل، هي صفقةُ نفطٍ أو نفوذٍ جديدة تُكتب على ركام مدننا.
فكفانا تصديقًا لأسطورة “التحالفات الإنسانية” و”الدعم الدولي”، فالعالم لا يرى فينا أوطاناً بل ساحاتٍ لتصفية الحسابات.
وكلّ من لا يُدرك هذه الحقيقة سيبقى وقوداً في محرقةٍ تُشعَل باسم الديمقراطيّة والحرّيّة، ويُطفِئها الغرب حين يكتفي منّا رماداً.. من دون ان نتجاهل دورنا في إشعال حروب الداخل التي تأكل الأخضر واليابس ، وتفتت الأوطان بحسابات مذهبية ، ومصالح شخصية او حزبية أو عشائرية ، او كلها مع بعض .


