لم تعد التطورات التي تشهدها المنطقة مجرد توترٍ عابر أو جولة تصعيد يمكن احتواؤها بسرعة. فمنذ السبت 28 شباط، عند اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بات واضحًا أن الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة من الصراع. حربٌ حقيقية آخذة في الاتساع جغرافيًا، تتداخل فيها الجبهات من الخليج العربي وصولًا إلى لبنان.
في دول الخليج، لم تقتصر الضربات على القواعد العسكرية الأميركية، بل امتدت أيضًا إلى منشآت نفطية وبنى اقتصادية حساسة، ما وضع المنطقة أمام تهديد مباشر يطال أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الإقليمي. الخليج الذي سعى خلال السنوات الماضية إلى ترسيخ معادلات الاستقرار، وجد نفسه فجأة في قلب المواجهة.
أما في لبنان، فقد بدأ فصل الحرب فعليًا يوم الاثنين 2 آذار. منذ ذلك التاريخ، دخل الجنوب، ومعه مناطق من البقاع وحتى أطراف بيروت، دائرة النار. مشاركة حزب الله في المواجهة جعلت لبنان جزءًا من المشهد العسكري الأوسع، فتعرّضت مناطق عدة لقصف وضربات متبادلة، وسقوط ضحايا، وتضررت منازل وبنى اقتصادية، فيما اضطرت آلاف العائلات إلى مغادرة قراها وبلداتها في الجنوب والبقاع وبيروت.
بالنسبة للبنانيين، لا تبدو هذه الحرب مجرد حدث إقليمي بعيد. إنها واقع يومي ثقيل يضاف إلى بلد يرزح أساسًا تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة. وكأن لبنان يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده وقدرته على التأثير فيها.
وسط هذا المشهد، تتكاثر القراءات والتحليلات. فبعض الخبراء يعتبر ما يحدث حربًا إقليمية غير معلنة، فيما يرى آخرون أنها مواجهة مفتوحة لكن ضمن حدود محسوبة. غير أن ما يراه الناس على الأرض – من صواريخ وضربات ودمار ونزوح – يجعل هذه التوصيفات الدبلوماسية تبدو أحيانًا بعيدة عن قسوة الواقع.
وتزداد الصورة ضبابية مع التناقض الواضح في الروايات. فواشنطن تؤكد أنها تحقق تقدمًا ميدانيًا وتنجح في تحقيق أهدافها في مواجهة إيران، بينما تقول طهران إنها فرضت معادلات جديدة في المنطقة وأن ردها كان مؤثرًا. كل طرف يعلن أنه المتفوق حتى الآن، فيما تبدو الحقيقة، كما في معظم الحروب، أكثر تعقيدًا مما تعكسه التصريحات الرسمية.
فالحرب الإعلامية تسير هنا جنبًا إلى جنب مع الحرب العسكرية. الانتصارات تُعلن سريعًا، أما الخسائر فغالبًا ما تُخفى أو يجري التقليل من شأنها. لذلك يبدو من المبكر الحديث عن طرفٍ منتصر في هذه المرحلة، خصوصًا أن ميزان الصراع لم يستقر بعد.
لكن ما يخشاه كثير من المحللين هو سيناريو آخر أكثر قسوة: أن تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. أي سلسلة من الضربات المتقطعة والعمليات المحدودة والتصعيد المحسوب، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ولكن أيضًا من دون نهاية واضحة. مثل هذا النوع من الصراعات قد يمتد لسنوات، ويترك آثارًا ثقيلة على اقتصادات المنطقة واستقرارها.
في المقابل، تتحدث بعض المعطيات عن اتصالات دبلوماسية تُجرى بعيدًا عن الأضواء. فهناك من يشير إلى قنوات تواصل غير معلنة بين الرياض وطهران، أو إلى وساطات إقليمية ودولية تحاول احتواء التصعيد قبل أن يخرج عن السيطرة. فدول الخليج، وعلى رأسها السعودية، معنية بشكل مباشر بتفادي أي مسار قد يهدد أمنها الاقتصادي وقطاع الطاقة فيها، كما تدرك إيران أن انفجارًا إقليميًا واسعًا قد يحمل مخاطر يصعب ضبطها.
لكن مثل هذه المساعي الدبلوماسية، إن وُجدت، تحتاج إلى وقت. ففي منطقتنا غالبًا ما تتبلور التسويات بعد مراحل طويلة من الضغط والاستنزاف والتعب.
هكذا يقف لبنان اليوم مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية تفوق حجمه وإمكاناته. بلدٌ صغير يراقب صراع القوى الكبرى فوق أرضه وحوله، منتظرًا نهاية حرب لم يخترها ولم يكن يومًا صاحب قرارها. وفي الشرق الأوسط غالبًا ما تبدأ الحروب بقرارٍ من الكبار، لكن كلفتها يدفعها الصغار.


