وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في 1 أيلول 2026 في أول زيارة له إلى مصر منذ 10 سنوات، . الزيارة التي تستمر 3 أيام، وتتزامن مع الذكرى الـ70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، طرحت سؤالاً كبيراً: هل هي دخول صيني من البوابة المصرية لإعادة التوازن مع واشنطن، أم مجرد تعميق لتبادل اقتصادي؟
ماذا تريد الصين من مصر؟
تنظر بكين إلى القاهرة كـ “محور إقليمي يربط العالم العربي وأفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر”. والأهم: مصر شريك أساسي في مبادرة “الحزام والطريق”، وقناة السويس شريان تجارة عالمي لا يمكن تجاوزه.
الرسائل السياسية كانت واضحة في البيان المشترك:
تأكيد الصين “الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر” وحقها في حماية أمنها المائي.
تأكيد مصر التزامها “بمبدأ الصين الواحدة” ودعم وحدة أراضيها.
دعوة مشتركة للحفاظ على “النظام الدولي والدعوة إلى الإنصاف وتعددية الأطراف” ودعم القضية الفلسطينية.
هنا تظهر الصين وهي تبحث عن شريك “موثوق ومركز تشاور أول” في الشأن العربي والأفريقي.
البعد الاقتصادي: من التجارة إلى التصنيع
الرقم يتحدث: حجم التبادل التجاري بلغ نحو 20.78 مليار دولار بنهاية 2025، بنمو 19.6%، والصين هي الشريك التجاري الأكبر لمصر في السلع غير البترولية.
يوجد اليوم نحو 3 آلاف مصنع صيني داخل مصر، منها 200 في العين السخنة، والاستثمارات الصينية تجاوزت 10 مليارات دولار.
لكن الزيارة نقلت العلاقة من “زيادة التجارة” إلى “تعزيز الإنتاج والتصنيع ونقل التكنولوجيا”. القطاعات المطروحة: السيارات والبتروكيماويات والطاقة الجديدة والمتجددة، والذكاء الاصطناعي عبر عرض من “هواوي “لجعل مصر مركزاً إقليمياً، إضافة إلى تفعيل اتفاقيات تبادل العملة وودائع دولارية محتملة.
البعد العسكري والأمني: تنويع السلاح
هنا مكمن الحساسية. أكد خبراء أن “التعاون العسكري بين مصر والصين أصبح مهماً للغاية، خصوصا “في ظل الخبرات الصينية المتطورة”، و”مصر تسعى إلى تنويع مصادر السلاح”.
الدليل: المناورة الجوية المشتركة الثانية “نسور الحضارة” التي بدأت قبل الزيارة بأيام، وشهدت مشاركة مقاتلات صينية من طراز “J-16” خارج المجال الجوي الصيني لأول مرة في تاريخها. هذا “يؤسس لمرحلة جديدة ومتقدمة من التعاون العسكري”.
هل هي إعادة توازن مع أمريكا؟
القاهرة تتحرك “بحذر شديد” لأنها “شديدة الحرص على علاقتها مع واشنطن”. معيار مصر كما أعلن السيسي هو “المصالح المشتركة والمتبادلة”، أي اختيار العرض “الأقل والأرخص والأقوى”.
لكن التوقيت يحمل دلالات: اختيار شي البقاء في مصر 3 أيام “قبل أسابيع قليلة من لقائه المرتقب مع الرئيس الأمريكي” يبعث “برسالة واضحة حول مكانة مصر كبوصلة للسياسة الصينية في المنطقة”. ومجلس الأعمال المصري الصيني اعتبر وجود الرئيس الصيني في مصر “قبل أمريكا دلالة لمكانتنا الدولية”.
النتائج المتوقعة: مرحلة جديدة؟
اقتصادياً: دفع استثمارات صينية في البنية التحتية والطاقة والصناعات التحويلية وتوطين التكنولوجيا، بما يفتح للمنتجات المصرية أسواق أفريقيا والعالم عبر “الحزام والطريق”.
سياسياً: تنسيق أقوى حول القضايا الإقليمية، خصوصاً :فلسطين والأمن القومي العربي، ودعم لعضوية مصر في “بريكس”.
استراتيجياً: الزيارة “تفتح فصلاً جديداً في الشراكة الاستراتيجية”، وتنتقل بالعلاقات من “التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة”.
زيارة شي ليست مجرد تبادل اقتصادي. هي “خطوة متقدمة” لدور صيني جديد في المنطقة يبدأ من القاهرة، لكنه لا يلغي واشنطن.
الصين تريد مصر كبوابة و”مركز انطلاق” لأسواق عربية وأفريقية، ومصر تريد تنويع الشركاء دون قطع الجسور مع أحد.
النتيجة: نحن أمام تعددية أقطاب فعلية. مصر تلعب لعبة التوازنات، والصين تستخدم “البوابة المصرية” لتقول للعالم إن الشرق الأوسط لم يعد ساحة نفوذ أمريكي حصري.
والسؤال الذي سيجيب عنه المستقبل: هل تتحول الاتفاقيات إلى مصانع ووظائف وتكنولوجيا حقيقية، أم تبقى في إطار الرسائل السياسية؟


