كانت المفاوضات غير المباشرة ، بين ايران واميركا تجري حول الملف النووي الإيراني، الذي الغى ترامب اتفاقه الذي اعترف به العالم واوله ادارة باراك أوباما، عندما اعتدى العدو الصهيوني الذي ترعاه أميركا منذ عقود ، على ايران في حملة شرسة طالت العلماءوالقادة والمنشآت النووية والعلمية …وما كان العدوان الصهيوني ليتم ، من دون معرفة ودعم اميركا ، اي ترامب نفسه ، وهو الذي اعطى الإذن بالعدوان ، حين كان يفاوض ايران ،اي يبتزّها ويهددها ويخدعها ..
صحيح ان ايران استوعبت هذا العدوان ونقلت الحرب إلى قلب الكيان الصهيونى ، للمرة الأولى منذ قيام هذا الكيان عام 1948 , وكبدته خسائر حقيقية في كل الحقول العلمية والعسكرية، والمنشآت المتنوعة ، وما زالت تفرض على ملايين الصهاينة المبيت في الملاجىء منذ عشرة أيام، إلا انها تعرضت لخديعة كبيرة، ما كانت ثقافة الفرس لتقبلها ، خصوصاً وانها اثارت استغراب العالم اذ تركت ايران عقولها العلمية وقياداتها العسكرية والامنية وفي الحرس الثوري ، لقمة سائغة للعدوان الصهيوني ، في سذاجة لا يخفف منها سوى سهولة اختراق العدو لكل امر في ايران ، مع الاعتراف بوجود مئات ( والبعض يقول آلاف ) الجواسيس ، وكثيرون منهم أغراهم المال ، لكن كثيرين ايضاً هم من اعداء النظام سياسياً وثقافياً ودينياً ومذهبياً.
ولنعترف ايضاً ان دونالد ترامب، خدع الايرانيين ، الموصوفين بالنباهة والحذر الشديدين ،للمرة الثانية خلال عشرة ايام ، حين راوغ في التعبير بأنه اعطى الإيرانيين فرصة للإذعان مدتها أسبوعان ، فإذا به يعتدي على منشآتها النووية بعد اربعة ايام فقط ..
لكن إذا كان ترامب مخادع لحماية الكيان الصهيوني ، فهل تلدغ ايران ودهاة العالم -اي الفرس -من الجحر مرتين ؟
تعالوا إلى تحليل آخر
استمعنا إلى مصدر موثوق يقدم صورة مختلفة عما هو سائد. .. اذ يوافق على كل ما أوردناه في المقدمة ، لكنه يفتح نافذة جديدة للكلام عما يلي :
١- ان ترامب دمر منشآت مكشوفة ومعروفة ، لكنه لم يدمر التخصيب الإيراني لليورانيوم الذي يسمح لها ان تصنع قنبلتها النووية ،، وما يتردد عن ان ايران نقلت ما خصبته خلال سنين طويلة، إلى أمكنة آمنة ، فعليها ان تبيد اي محاولة اختراق جديدة للأماكن “الآمنة “.
٢- ان ترامب يقول لنتنياهو ، بعد العدوان الاميركي على ايران ، انك لن تستطيع اي امر فعال من دوني ، اي من دون اميركا !!
اذن عليك ان تقف خلفي وان تستمع إلى كلمتي ، فأنا اميركا التي تقرر ولست انت او كيانك !! استمع الي جيدا: صحيح ان الأمر يتعلق بمصلحة “اسرائيل”، لكن هذه المصلحة ، هي قرار أميركي ، كما هي المصلحة الاميركية ( يقول ترامب لنتنياهو : “انت لست إلا كلب حراسة لمصالح أميركا في المنطقة العربية ، وانا الذي أزوّدك بكل ما تحتاجه من اجل هذه المهمة ”
هنا يقفز سؤال ضروري وهو :
هل يمكن لايران ان تمارس السياسة البراغماتية كما اميركا نفسها ؟ اي ان تتماشى مع ثقافة ترامب ونرجسيته وتقلباته وخداعه للجميع ، لتكسب وده ، وفي الوقت نفسه تذهب الى عقد صفقة ما مع روسيا ومع الصين ، للمحافظة على كيانها ونظامها ، بحيث تتقاطع مصالح الدول الثلاث؟ وكيف ؟
اي ان ايران تشاغل اميركا وهي تقاتل الصهاينة ، حتى تتمكن الصين من اعادة تايوان إلى الوطن الام ، وان تحتل روسيا أوكرانيا !!وهنا على الدولتين العظميين ان يساعدا ايران على الصمود للخروج من الحرب بقوة سياسية ، حتى لو تهشمت قدراتها العسكرية
٣- هل تتمكن ايران من استمالة دول أوروبا ( عدا بريطانيا ) وهي الدول التي عمل ترامب على استبعادها من مفاوضاته مع إيران ، كما أبعدها ايضاً حين الغى عام 2018 الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015؟
لاحظوا ان ترامب اعتدى على إيران مباشرة ، بعد ساعات على مفاوضات اجراها وزير خارجية ايران عباس عراقجي ، مع وزراء خارجية دول أوروبية معنية بالملف النووي منذ اكثر من عقد ونصف من الزمان !
ترامب حقق في إلغاء الاتفاق النووي بين ايران والدول الخمس +المانيا ، وفي حساباته التجارية انه لا يريد شريكاً، وها هو يكرر الأمر نفسه ، وهو يريد ابتزاز أوروبا في حواراته المحيرة مع صديقه اللدود فلاديمير بوتين، لتبقى القارة العجوز بحاجة اليه في كل شأن من شؤون الدفاع عن النفس، في مواجهة الدب الروسي الجائع .
نعم خدعت ايران مرتين خلال عشرة أيام، لكن الأمر كله مرهون بقدرتها على الصمود ، وليس بإندفاعها إلى الإنتحار ، اذ يكفيها شرف نقل الحرب إلى الكيان الصهيوني ، الذي انبطحت أنظمة عربية تحت رغباته ، واستسلمت شعوب عربية ، لغرائزها المذهبية وقد قدمتها على مصالح فلسطين وشعبها وأمتها العربية ،
ليس من مصلحة ايران ان تتصرف تحت عنوان “علي وعلى اعدائي يا رب “وعليها ان تستفيد من وقوف دولة كبرى كالمملكة العربية السعودية، ضد العدوان ، وهي تشترط قيام دولة فلسطينية، قبل اقامة اي علاقة مع الكيان الصهيوني ،
لن تقصف ايران قواعد اميركا في المنطقة … وهذه أمنياتنا
لن تقفل ايران مضيق هرمز، حتى لا تبدو انها تطلق النار على قدميها ، وتحرم حليفها الصيني من التزود بالنفط ، فيخضع للوحش الاميركي المتفلت ،
الإيرانيون الفرس دهاة العالم ، ومعروفون بقدرتهم على الصبر والصمود ، وقد واجهوا عقوبات ظالمة طيلة اربعة عقود ، ونجحوا خلال هذه المدة وتحت العقوبات الدولية الشاملة ، في بناء دولة مستقلة قادرة على التصنيع بكل اشكاله ، ومنها العسكري ، ومقارعة العدو الصهيوني ، ومساندة المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضده ، ولن تنتحر وهي تصمد وتقاتل وتدير سياسة عاقلة مهما ارتكبت من اخطاء


