يبدو أن هناك قناعة راسخة لدى بعض دوائر القرار في واشنطن بأن لبنان لا يزال، رغم أزماته، يحظى بفرصة أخيرة للإنقاذ. هذه القناعة لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى وجود شخصيات لبنانية-أميركية وازنة، أثبتت قدرتها على التأثير في الرأي العام وصنع القرار الأميركي، من أمثال مسعد بولس (والد صهر ترامب)، وميشال عيسى، وتوم باراك، وبيل بزّي وغيرهم من الأسماء التي لا تقل أهمية. هؤلاء ليسوا أعداءً يجب التحفّظ منهم، بل أوراق قوة لا بد من كسبها وتثبيت جسور التعاون معها.
توم باراك، السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا زار بيروت منذ أيام. خرج بتصريح لافت: “الجانب اللبناني لا يبدو جدياً. رغم أنه امتدح بعض المسؤولين، إلا أنه وضع النقاط على الحروف: لا مزيد من الوقت للمشاورات، بل المطلوب تنفيذٌ لا تردّد فيه، وإرادة واضحة لا تستجدي الرضا الدولي، بل تبادر وتقرر وتتحمّل مسؤولية قراراتها.
من يقرأ ما بين سطور باراك، يفهم أن الفرصة لا تزال قائمة، ولكنها على وشك أن تضيع. فالعالم لا ينتظر، والعواصم لا تُبقي يدها ممدودة طويلاً لمن لا يلتقطها. واللوبي اللبناني في أميركا ، وإن بدا صامتاً أحياناً ، يملك ما يكفي من النفوذ ليقلب الموازين حين يشعر أن وطنه يبادله الجدية والاحترام.
لكن، في لبنان، المشهد مختلف. مغتربونا، أولئك الذين يصنعون اسم لبنان في الخارج، يأتون إلى وطنهم رغم كل شيء: رغم الانهيار، والخطر، والفساد، وانعدام الأمل. يأتون بدافع الانتماء وحده، لا بدعوة من دولة، ولا بحوافز من مؤسسات سياحية أو اقتصادية. ومع ذلك، فإن هذه الدولة نفسها تستكثر عليهم حتى حقهم في التصويت، وقد بدأت المؤشرات تُظهر نية في تقليص أو شطب اقتراع المغتربين في الانتخابات البرلمانية المقبلة، ما يُعدّ جريمة مزدوجة: أولاً في حق الديمقراطية، وثانياً في حق من لا يزال يؤمن بأن لبنان يستحق المحاولة.
فأي رسالة نرسلها للعالم، ولأبنائنا في الخارج؟ أن لا جدية في الداخل، ولا أذن تصغي، ولا إرادة تنفيذ، بل مجرد إدارة للأزمات وتمديد لما لا يُحتمل؟
نحن لا نفتقر إلى الأصدقاء، بل نفتقر إلى سياسة تستثمر الصداقة، وإلى طبقة حاكمة تملك الحد الأدنى من البصيرة. لأن الكارثة اليوم لم تعد في غياب الدعم الدولي، بل في عجزنا عن استثماره حين يكون متاحاً.
لبنان لا ينقصه الحب، بل الحسم. ولا تنقصه الطاقات، بل القرار. وإن لم نستفق قريباً، قد نستيقظ على حقيقة أن النافذة قد أُغلقت، وأن كل من كان مستعداً لمساعدتنا، قرر أخيراً أن يُدير ظهره… عن قناعة .


